وقال القرطبي في شرحه لهذه الأحاديث في كتابه (المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم): «وحُبُّ الأَْنْصَارِ ـ من حيث كانوا أنصارَ الدِّينِ ومُظهِريهِ، وباذلين أموالَهُمْ وأَنْفُسَهُمْ في إعزازِهِ وإعزازِ نبيِّه - صلى الله عليه وآله وسلم - وإعلاءِ كلمته ـ دلالةٌ قاطعةٌ على صِحَّةِ إيمانِ مَنْ كان كذلك، وصحَّةِ محبَّته للنبيِّ - صلى الله عليه وآله وسلم -، وبُغْضُهم لذلك دلالةٌ قاطعةٌ على النفاق.
وكذلك القولُ في حُبِّ عليٍّ وبغضه - رضي الله عنه - وعنهم أجمعين: فمَنْ أحبَّه لسابقته في الإسلام، وقِدَمِهِ في الإيمان، وغَنَائِهِ فيه، وذبِّه عنه وعن النبيِّ - صلى الله عليه وآله وسلم -، ولمكانته منه - صلى الله عليه وآله وسلم - وقرابتِهِ ومصاهرته، وعلمِهِ وفضائله، كان ذلك منه دليلًا قاطعًا على صِحَّةِ إيمانه ويقينِهِ ومحبتِهِ للنبيِّ - صلى الله عليه وآله وسلم -، ومَنْ أبغضَهُ لشيء من ذلك، كان على العكس.
قال الشيخ - رحمه الله -: «وهذا المعنَى جارٍ في أعيان الصحابة - رضي الله عنهم - كالخلفاء، والعَشَرة، والمهاجرين ـ بل وفي كُلِّ الصحابة؛ إذْ كُلُّ واحدٍ منهم له سابقةٌ وغَنَاءٌ في الدِّين، وأَثَرٌ حَسَنٌ فيه؛ فحبُّهم لذلك المعنى محضُ الإيمان، وبُغْضُهُمْ له محضُ النفاق.
وقد دَلَّ على صحَّة ما ذكرناه: قوله - صلى الله عليه وآله وسلم - فيما خرَّجه البَزَّار في أصحابه كلِّهم: «فَمَنْ أحبَّهم فبحبِّي أحبَّهم، ومَنْ أبغضَهُمْ فببغضي أبغَضَهُمْ» (١).