ولم أنقل إلا عن أعيان الثقات، من ذوي التدقيق في النظر، والتحقيق للرواية.
واستكثرت ما أمكنني من السؤال عن كل مملكة، لآمن من تغفل الغفلاء، وتخيل الجهالات الضالة، وتحريف الأفهام الفاسدة.
فإن نقلت عن بعض الكتب المصنفة في هذا الشأن، فهو من الموثوق به فيما لا بد منه: كتقسيم الأقاليم، وما فيها من أقوال القدماء، واختلاف آراء الحكماء، إلى غير ذلك من غرائب وعجائب، وأخبار ملل ودول، وذكر مشاهير أعلام، وتاريخ سنين وشهور وأيام. مما هو مَسْرَح أمل، ومَطْمَح ذي عمل، لأجمل به كلامي، وأكمل به نقصي، وأتمم به بهجة النظر ورونق الصفحات: كالطراز في الثوب، والخال في الخد. لا لأكثر به سواد السطور، وأكبر به حجم الكتاب. ولم أقتصر بذكر الأقاليم، عند ذكرى الممالك، مقصد الجغرافية، كالأول والثاني والثالث؛ ولا بما تطلق عليه المُسَمَّيات، كالعراق وخُراسان وأذربيجان.
بل أذكر ما اشتملت عليه مملكة كل سلطان، جملةً لا تفصيلًا، على ما هي عليه المدينة التي هي قاعدة الملك: كقرشي والسراي من قسمي تؤران وتوريز (١) من إيران؛ أو ما لا بد من ذكره معها، والغالب في تلك المملكة من أوضاعها، والأكثر من مصطلح أهلها.
ولا أعني ذوي الممالك الصغار، إذا كانوا في مملكة سلطان قاهر عليهم، أمرٍ فيهم: إذ هم جزء من كل، بل الذكر لكل سلطان يستحق اسم السلطنة: لاتساع ممالك وأعمال، وكثرة جنود وأموال؛ ويتغطى بذيله من لعله يكون في مملكته من ذوي الممالك الصغار: كصاحب حماة مع صاحب مصر، وصاحب ماردين مع صاحب إيران. اللهم إلا أن تكون تلك المملكة مفردة لملك أو ملوك، وليس عليهم سلطان يجمعهم حكمه، ويمضي فيهم أمره: كملوك الجيل، وملوك جبال البربر، وما يجري هذا المجرى، ويسري كوكبه هذا المسرى.
ولم آل جهدًا في تصحيح ما كتبته بحسب الطاقة، من غير استيعاب ولا تطويل.
ولم أُعَرِّج إلى ملوك الكفار ركابي، ولا أرسيت بجزائر البحر سفني، ولا أسهرت في الظلمات عيني، ولا أتعبت في المحفورة يدي إلا ما ألممت منه إلمامة الطيف المنفر، ونغبت (٢) منه نُخبة الطائر الحذر؛ لأن غالب ما يقال - والله أعلم - أسماء لا
(١) هي المدينة المسماة في الأشهر بإسم تبريز (بفتح التاء وبكسرها) وهي قاعدة أذربيجان - عن القاموس - (زكي). (٢) النَّعْبِ: حَسْوُ الطائر للماء، ولا يقال شربه (زكي).