للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (١).

ولقد ذكر النبي خطبة قس بن ساعدة (٢) بعُكاظ، وفيها قوله (٣): «إنّ في السماء لخبرا، وإن في الأرض لعِبَرا».

ولقد طالعتُ الكتب الموضوعة في أحوال الأقاليم وما فيها، فلم أجد من بين أحوالها، ومَثَل في الأفهام صُوَرَها؛ لأنّ غالب تلك الكتب لا تتضمن سوى الأخبار القديمة، وأحوال الملوك السالفة، والأمم البائدة، وبعض مُصطلحات ذَهَبَتْ بذهاب أهلها، ولم يبق في مجرد ذكرها عظيم فائدة، ولا كبير أمر. وخير القول أصدقه، والناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم.

فاستخرت الله تعالى في إثبات نبذة دالة على المقصود في ذكر الأرض وما فيها ومن فيها: الأظهر فالأظهر، والأشهر فالأشهر؛ وما لم أجد بدا من ذكره في ذلك ومثله، وحال كل مملكة، وما هي عليه هي وأهلها في وقتنا هذا، مما ضمه نطاق تلك المملكة، واجتمع عليه طرفا تلك الدائرة. لأقرب إلى الأفهام البعيدة غالب ما هي عليه أُمُّ كلّ مملكة من المُصْطَلَح والمعاملات، وما يوجد فيها غالبًا: ليبصر أهل كلّ قطر القطر الآخر. وبينته بالتصوير (٤)، ليُعرف كيف هو، كأنه قُدَّامَ عيونهم بالمشاهدة والعيان. مما اعتمدت في ذلك على تحقيق معرفتي له، فيما رأيته بالمشاهدة؛ وفيما لم أره بالنقل مِمَّنْ يعرف أحوال المملكة المنقول عنه أخبارها، مما رآه بعينه أو سمعه من الثقات بأذنه.


(١) سورة آل عمران: الآية ١٩١.
(٢) قس بن ساعدة بن عمرو الإيادي، أحد حكماء العرب، ومن كبار خطبائهم في الجاهلية، وكان أسقف نجران، قيل إنه أول عربي خطب متوكئًا على سيف أو عصا، وأول من قال في كلامه «أما بعد» وكان يفد على قيصر الروم زائرًا فيكرمه ويعظمه، وهو معدود في المعمرين، طالت حياته وأدركه النبي () قبل النبوة، ورآه في عكاظ، وسئل عنه بعد ذلك فقال: «يحشر أمة وحده»، توفي نحو سنة ٢٣ ق هـ/ نحو ٦٠٠ م. ترجمته في: البيان والتبيين ١/ ٢٧، معجم الشعراء للمرزباني، ٣٣٨، والأغاني ١٤/ ٤٠ وغيرها، الأعلام ٥/ ١٩٦.
(٣) انظر: صبح الأعشى ١/ ٢١٢، إعجاز القرآن ١٢٤، البيان والتبيين ١/ ١٦٨، الأغاني ١٤/ ٤٠، العقد الفريد ٢/ ١٥٦، مجمع الأمثال للميداني ١/ ٧٤، جمهرة خطب العرب ١/ ٣٥ - ٣٦.
(٤) يريد به الخرائط التوضيحية كالتي أوردها في السفر الثاني، ولكنه لم يأت بها، وبقيت محلاتها فارغة، كما سيأتي.

<<  <  ج: ص:  >  >>