للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

القول، حتى إنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم، فوالله ما كنت جهولا، فانصرف حتى إذا كان الغد قال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغه منكم وما بلغكم عنه حتى إذا ناداكم بما تكرهون تركتموه، فبينما هم في ذلك طلع عليهم، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد فأحاطوا به يقولون: أنت الذي تقول كذا وكذا، لما كان يقول من عيب آلهتهم ودينهم، فيقول: «نعم، أنا الذي أقول ذلك»، فأخذ رجل منهم بمجمع (١) ردائه، فقام (٢) أبو بكر دونه وهو يبكي ويقول: أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله؟ ثم انصرفوا عنه، ورجع أبو بكر إلى بيته وقد صدعوا فَرَقَ (٣) رأسه مما جبذوه بلحيته.

ومر يومًا بأبي جهل عند الصفا، فنال منه أبو جهل ورسول الله لا يكلمه، ثم عمد أبو جهل إلى ناس من قريش عند الكعبة فجلس معهم، فلم يلبث حمزة بن عبد المطلب أن أقبل متوشحًا (٤) قوسه، راجعًا من قنص له، وكان أعز فتى في قريش وأشدهم شكيمة، فأخبرته مولاة لابن جدعان بما كان من أبي جهل، فأقبل واحتمله الغضب حتى أقبل إلى أن وقف على رأس أبي جهل وضربه بالقوس فشجه شجة منكرة ثم قال: أتشتمه وأنا على دينه أقول كما يقول؟ فرد ذلك عليّ إن استطعت. فقامت رجال من بني مخزوم لينصروا أبا جهل، فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة، فإني سببت ابن أخيه سبًا قبيحًا، وتم حمزة وأرضاه - على إسلامه، فعرفت قريش أن رسول الله قد عز وامتنع، فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه (٥).

ثم كان بين رسول الله وبين قومه أمور، فقالوا أبو جهل في آخرها: يا معشر قريش، إن محمدًا قد أبى إلا ما ترون، وإني أعاهد الله لأجلسن له غدًا بحجر ما أطيق حمله، فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه، فاسلموني عند ذلك أو


(١) في الأصل: «بجمع».
(٢) في الأصل: «فقال».
(٣) الفرق مكان تفرق الشعر من مقدم الجبهة حتى وسط الرأس، وصَدَعُوا: أي شقوا.
(٤) في الأصل: «موشحًا».
(٥) راجع ابن هشام: السيرة، جـ ١، ص ٢٩١، ٢٩٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>