الأمر الثاني: أن المراد بالإكراه في الحديث الإكراه على الكفر؛ لأن القوم كانوا حديثي العهد بالإسلام، وكان الإكراه على الكفر ظاهرا يومئذ، وكان يجري على ألسنتهم كلمات الكفر خطأً وسهواً، فعفا الله ﷻ عن ذلك على لسان رسوله (١).
ويجاب عن هذا: بأنه على فرض التسليم به، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
فقوله ﷺ:"وما استكرهوا عليه" لفظ عام يشمل كل نوع من أنواع الإكراه، سواء أكان إكراها على كفر أو عقد نكاح أو طلاق، والقول بأنه خاص بالإكراه على الكفر تخصيص لا دليل عليه.
الأمر الثالث: عدم التسليم بأن الهبة والعتاق والوقف وكل تصرف قولي مستكره عليه يقع؛ لأن الإكراه لا يعمل على الأقوال كما لا يعمل على الاعتقادات؛ لأن أحدا لا يقدر على استعمال لسان غيره بالكلام على تغيير ما يعتقده بقلبه جبرا، فكان كل متكلم مختارا فيما يتكلم به، فلا يكون مستكرها عليه حقيقة، فلا يتناوله الحديث (٢).
ويجاب عن هذا: بعدم التسليم به؛ فالإكراه يشمل التصرفات القولية والفعلية، بدليل أن الإكراه بالتهديد بالقتل أو إتلاف عضو إن كان يؤدي بالمكره إلى فعل ما لا يرضاه، فإنه أيضا يؤدي به إلى قول ما لا يرضاه.
ويجاب عن هذه المناقشة: بما سبق ذكره من الفرق بين طلاق الهازل وطلاق المكره (٣).
(١) بدائع الصنائع، مصدر سابق، (٧/ ١٨٢). (٢) المصدر السابق، صيغ العقود (١/ ٤٠٧). (٣) قريبا.