ولم يقصد أن أباه أذنب بترك الوصية كما فهمه ابن حزم، وإنما أراد أن أباه فاتته الوصية التي تكفر الذنوب، فهل يمكن استدراك ذلك بعد موته بالصدقة عنه؟.
وإذا كان هذا هو مقصود السائل كان قوله ﷺ في الجواب:"نعم" مجرد إخبار بأن صدقته عن أبيه تكفر ما تكفره وصية أبيه.
الثالث: ليس في هذا الحديث أمر، لا بالوصية ولا بالصدقة، فضلا عن كونه أمر إيجاب، فكيف يصح الاستدلال به على وجوب الوصية، ووجوب إخراجها من التركة بغير إيصاء؟ وليس في الحديث أي صيغة من صيغ الأمر، وإنما هو مجرد إخبار بتكفير الصدقة بعد الموت لما وقع فيه التفريط من قبل الأب من زكوات.
الرابع: أنه على تقدير أن يكون مقصود السائل هو يكفر عنه ترك الوصية كما فهم ابن حزم فإنه لا يدل على وجوبها؛ لأن التكفير لا يستلزم الذنب، بدليل:
أن قاتل الخطأ تجب عليه الكفارة بنص القرآن: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (١)، ومع ذلك فليس عليه ذنب بنص القرآن أيضا، ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ (٢).
وأيضاً الحانث في اليمين تجب عليه الكفارة بنص القرآن: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ (٣) ومع ذلك لا إثم عليه في حنثه، كما دلت على ذلك السنة النبوية قولا وفعلا.
(٧٠) لما روى البخاري ومسلم من طريق الحسن قال: حدثني
(١) من الآية ٩٢ من سورة النساء. (٢) من الآية ٥ من سورة الأحزاب. (٣) من الآية ٨٩ من سورة المائدة.