بحضرة الرجال، فيُكمل نقل الشريعة، وكثر عدد النساء ليكثر الناقلون لهذا النوع، ومنهنَّ عُرِف غالب مسائل الغُسل والحيض والعِدَّةِ ونحوها (١).
قال: ولم يكن ذلك الشهوة منه ﷺ في النكاح، ولا كان يحبُّ الوطء للذَّةِ البشرية، معاذ الله، بل إنما حُبّب إليه النساء لنقلهنَّ (٢) عنه ما يستحي هو من الإمعان في التلفظ به، فأحبهنَّ لما فيهنَّ من الإعانة على نقل الشريعة في هذه الأبواب، وأيضًا فقد نقلن ما لم يكن ينقله غيرهن مما رأينه في منامه، وحالة خلوته من الآيات البينات على نبوته، ومن جده واجتهاده في العبادة، ومن أمورٍ يشهد كلُّ ذي لب بأنها لا تكون إلا لنبي، وما كان يشاهدها غيرهنَّ، فحصل بذلك خير عظيم.
وهذه فائدة نفيسة تلتحق بما قدمناه عنه في واقعة زيد بن ثابت، وقد كنتُ أستحسِنُها وأظنه لم يُسبَق إليها، ثم رأيتُ صاحب «التعجيز» سبقه إليها، فقال في مختصره المسمى «نهاية النفاسة» وهو من أحسن مختصرات الفقه في «كتاب النكاح»: «وهو مما حُبِّبَ إلى النبي ﷺ لتَطَّلِعَ النساء على ما لديه، فينفين ما نُسِبَ إليه مما لا يجوز عليه».
قلت: ولِيَنقُلنَ ما يَرَيْنَ من أخلاق طاهرة، وخلال نادرة، وجِبلة لم يُطبع عليها سواه، فسبحان من خلقه وسواه، فإنَّ من العجائب بَشَرًا ابنَ ثلاث وستين سنة، ينام فيَنقُلُ النساء أنَّ رائحة نكهته عَقِيب نومه أطيب من رائحة المسك، وعرقه يُجمع ليتطيب به، ولا يَنقُلُ أحد أنه رأى (٣) غائطا ولا بولا، حتى قيل: إِنَّ
(١) جاء في حاشية ١: (هذا السر لمجرد الكثرة لا لخصوصية العدد، فليتأمل). (٢) في ظ ٢: (لتعلمهن). (٣) زاد في ص: (له).