فَجَيْشُ الرُّومِ كَثِيرُ الْعَدَدِ، وَافِرُ الْعُدَدِ وَهُوَ يُقَاتِلُ عَلَى أَرْضِهِ.
أَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَكَانَتْ رِحْلَتُهُمْ طَوِيلَةً …
وَمَئُونَتُهُمْ قَلِيلَةً.
وَرَوَاحِلُهُمْ (١) أَقَلَّ ..
وَكَانُوا يُعَانُونَ مِنْ جَدْبٍ (٢) قَلَّمَا أُصِيبَتْ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ بِمِثْلِهِ.
فَاضْطُرَّ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ إِلَى رَدِّ نَفَرٍ كَبِيرٍ مِنْهُمْ عَنِ الْجِهَادِ … وَحِرْمَانِهِمْ مِنَ الاِسْتِشْهَادِ …
لِأَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ رَاحِلَةً تَحْمِلُهُمْ.
فَتَوَلَّوْا (٣)، وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ …
* * *
عِنْدَ ذَلِكَ صَعِدَ الرَّسُولُ ﵊ الْمِنْبَرَ، وَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ … ثُمَّ طَفِقَ يَحُضُّ (٤) الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْبَذْلِ … وَيُمَنِّيهِمْ (٥) بِعَظِيمِ الْأَجْرِ.
فَوَقَفَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَقَالَ:
عَلَيَّ مِائَةُ بَعِيرٍ بِأَحْلَاسِهَا (٦) وَأَقْتَابِهَا (٧) يَا رَسُولَ اللَّهِ …
فَنَزَلَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ عَنِ الْمِنْبَرِ دَرَجَةً؛ غَيْرَ أَنَّهُ وَقَفَ يَحُضُّ النَّاسَ عَلَى الْبَذْلِ مِنْ جَدِيدٍ؛ فَنَهَضَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ثَانِيَةً وَقَالَ:
(١) الرّواحِل: الرّكائب التي يحتاج إليها المسافرون والرّاحلة واحدة الرّواحل.
(٢) جَدْب: قلة الزّرع، وعدم المطر.
(٣) تَوَلَّوا: عادوا من حيث جاءوا.
(٤) طَفِقَ يحض: أخذ يحث.
(٥) يُمَنِّيهِمْ: يجعلهم يؤملون ويتمنون الأجر العظيم.
(٦) الْأَحلاس: كُلُّ مَا يوضَعُ عَلَى ظهر الدّابَّة تحت الرِّحَال والسُّروج.
(٧) الأقتاب: هي الرّحل الذي يوضع على الدابة.