فَدَخَلَ عُتْبَةُ "الْأُبُلَّةَ" دُونَ أَنْ يَفْقِدَ أَحَدًا مِنْ رِجَالِهِ …
ثُمَّ فَتَحَ مَا حَوْلَهَا مِنَ الْمُدُنِ وَالْقُرَى.
وَغَنِمَ مِنْ ذَلِكَ غَنَائِمَ عَزَّتْ عَلَى الْحَصْرِ (١)، وَفَاقَتْ كُلَّ تَقْدِيرٍ؛ حَتَّى إِنَّ أَحَدَ رِجَالِهِ عَادَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَسَأَلَهُ النَّاسُ:
كَيْفَ الْمُسْلِمُونَ فِي "الأُبُلَّةِ"؟
فَقَالَ: عَمَّ تَتَسَاءَلُونَ؟! …
وَاللَّهِ لَقَدْ تَرَكْتُهُمْ وَهُمْ يَكْتَالُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ اكْتِيَالًا … فَأَخَذَ النَّاسُ يَشُدُّونَ إِلَى "الْأُبُلَّةِ" الرِّحَالَ (٢).
* * *
عِنْدَ ذَلِكَ رَأَى عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ أَنَّ إِقَامَةَ جُنُودِهِ فِي الْمُدُنِ الْمَفْتُوحَةِ سَوْفَ تُعَوِّدُهُمْ عَلَى لِينِ الْعَيشِ، وَتُخَلِّقُهُمْ بِأَخْلَاقِ أَهْلِ تِلْكَ الْبِلَادِ، وَتَفُلُّ (٣) مِنْ حِدَّةِ عَزَائِمِهِمْ عَلَى مُوَاصَلَةِ الْقِتَالِ؛ فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَسْتَأْذِنُهُ فِي بِنَاءِ "الْبَصْرَةِ" (٤) وَوَصَفَ لَهُ الْمَكَانَ الَّذِي اخْتَارَهُ لَهَا فَأَذِنَ لَهُ.
اخْتَطَّ (٥) عُتْبَةُ الْمَدِينَةَ الْجَدِيدَةَ …
وَكَانَ أَوَّلَ مَا بَنَاهُ مَسْجِدُهَا الْعَظِيمُ …
وَلَا عَجَبَ …
فَمِنْ أَجْلِ الْمَسْجِدِ خَرَجَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ …
وَبِالْمَسْجِدِ انْتَصَرَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ عَلَى أَعْدَاءِ اللَّهِ …
(١) عَزَّت عَلَى الْحصر: تعذَّر إحصاؤها.(٢) يشدون الرّحال إِلَى الأُبُلَّة: يسافرون إليها.(٣) تفلُّ من حدة عزائمهم: تضعف من قوَّة عزائمهم.(٤) الْبَصْرَة: مدينة فِي الْعراق عَلَى شط الْعرب.(٥) اختط عُتْبَة الْمدينة: خططها.
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute