بَيْدَ (١) أَنَّ انْتِظَارَهَا قَدْ طَالَ عَبَثًا، فَأَوْغَلَتْ (٢) فِي أَرْضِ الْمَعْرَكَةِ، وَجَعَلَتْ تَتَفَحَّصُ وُجُوهَ الْقَتْلَى، فَإِذَا بِهَا تَجِدُ زَوْجَهَا صَرِيعًا مُضَرَّجًا بِدِمَائِهِ (٣).
فَهَبَّتْ كَاللَّبُؤَةِ (٤) الْمَذْعُورَةِ، وَجَعَلَتْ تُطْلِقُ بَصَرَهَا فِي كُلِّ صَوْبٍ بَحْثًا عَنْ أَوْلَادِهَا: مُسَافِعٍ وَكِلَابٍ وَالْجُلَاسِ.
فَمَا لَبِثَتْ أَنْ رَأَتْهُمْ مُمَدَّدِينَ عَلَى سُفُوحٍ "أُحُدٍ" …
أَمَّا مُسَافِعٌ وَكِلَابٌ؛ فَكَانَا قَدْ فَارَقَا الْحَيَاةَ، وَأَمَّا الْجُلَاسُ فَوَجَدَتْهُ وَمَا تَزَالُ بِهِ بَقِيَّةٌ مِنْ ذَمَاءٍ (٥).
* * *
أَكَبَّتْ سُلَافَةُ عَلَى ابْنِهَا الَّذِي يُعَالِجُ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ، وَوَضَعَتْ رَأْسَهُ فِي حِجْرِهَا، وَجَعَلَتْ تَمْسَحُ الدِّمَاءَ عَنْ جَبِينِهِ وَفَمِهِ، وَقَدْ يَبِسَ الدَّمْعُ فِي عَيْنَيْهَا مِنْ هَوْلِ الْكَارِثَةِ.
ثُمَّ أَقْبَلَتْ عَلَيْهِ وَهِيَ تَقُولُ: مَنْ صَرَعَكَ يَا بُنَيَّ؟ … فَهَمَّ أَنْ يُجِيبَهَا لَكِنَّ حَشْرَجَةَ الْمَوْتِ مَنَعَتْهُ، فَأَلَحَّتْ عَلَيْهِ بِالسُّؤَالِ فَقَالَ: صَرَعَنِي عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ، وَ … وَصَرَعَ أَخِي مُسَافِعًا، وَ … ثُمَّ لَفَظَ آخِرَ أَنْفَاسِهِ …
جُنَّ جُنُونُ سُلَافَةَ بِنْتِ سَعْدٍ، وَجَعَلَتْ تُعْوِلُ وَتَنْشِجُ (٦)، وَأَقْسَمَتْ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى أَلَّا تَهْدَأَ لَهَا لَوْعَةٌ أَوْ تَرْقَأَ (٧) لِعَيْنَيْهَا دَمْعَةٌ إِلَّا إِذَا ثَأَرَتْ لَهَا قُرَيْشٌ مِنْ عَاصِمِ بْنِ ثَابِتٍ، وَأَعْطَتْهَا قِحْفَ (٨) رَأْسِهِ لِتَشْرَبَ فِيهِ الْخَمْرَ …
(١) بَيْدَ أَنَّ: غَيْرَ أَنَّ.(٢) أوغلت: دخلت بعيدًا.(٣) مُضَرَّجًا بدمائه: مصبوغًا بدمائِه.(٤) اللَّبُؤَة: أنثى الأَسَدِ.(٥) الذّماءُ: بقية النَّفْسِ.(٦) تُعْوِلُ وتنشِج: تَرْفع صَوْتهَا بالْبكاء.(٧) تَرْقأ: تجفّ.(٨) قحف رأسه: عَظْمَ رأسه المجوَّف.
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute