وَظَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ يُؤْثِرُهُ (١) وَيُكْرِمُهُ، فَمَا لَقِيَهُ مَرَّةً إِلَّا صَافَحَهُ، وَهَشَّ فِي وَجْهِهِ وَبَشَّ (٢).
* * *
وَلَمَّا لَحِقَ الرَّسُولُ الكَرِيمُ ﷺ بالرَّفِيقِ الْأَعْلَى (٣)؛ لَمْ يُطِقْ أَبُو ذَرٍّ صَبْرًا عَلَى الْإِقَامَةِ فِي الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ بَعْدَ أَنْ خَلَتْ مِنْ سَيِّدِهَا وَأَقْفَرَتْ مِنْ هَدْيِ مَجَالِسِهِ، فَرَحَلَ إِلَى بَادِيَةِ الشَّامِ وَأَقَامَ فِيهَا مُدَّةَ خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ وَالْفَارُوقِ ﵄ وَعَنْهُ.
وَفِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ (٤) نَزَلَ فِي "دِمَشْقَ" فَرَأَى مِنْ إِقْبَالِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الدُّنْيَا وَانْغِمَاسِهِمْ فِي التَّرْفِ (٥) مَا أَذْهَلَهُ وَدَفَعَهُ إِلَى اسْتِنْكَارِ (٦) ذَلِكَ؛ فَاسْتَدْعَاهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَقَدِمَ إِلَيْهَا، لَكِنَّهُ مَا لَبِثَ أَنْ ضَاقَ بِرَغْبَةِ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا وَضَاقَ النَّاسُ بِشِدَّتِهِ عَلَيْهِمْ وَتَنْدِيدِهِ (٧) بِهِمْ، فَأَمَرَهُ عُثْمَانُ بِالانْتِقَالِ إِلَى "الرَّبَذَةِ" وَهِيَ قَرْيَةٌ صَغِيرَةٌ مِنْ قُرَى الْمَدِينَةِ، فَرَحَلَ إِلَيْهَا وَأَقَامَ فِيهَا بَعِيدًا عَنِ النَّاسِ، زَاهِدًا بِمَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ عَرَضَ الدُّنْيَا، مُسْتَمْسِكًا بِمَا كَانَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ وَصَاحِبَاهُ مِنْ إِيثَارِ الْبَاقِيَةِ عَلَى الْفَانِيَةِ (٨).
دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ ذَاتَ مَرَّةٍ فَجَعَلَ يُقَلِّبُ الطَّرْفَ فِي بَيْتِهِ، فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ مَتَاعًا.
فَقَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، أَيْنَ مَتَاعُكُمْ؟!.
(١) يؤثره: يفضله عَلَى غيره.(٢) هش في وجهه وبش: ابتسم له وأظهر السّرور للقائه.(٣) لحق بالرّفيق الأعلى: وافاه الأجل.(٤) عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ: انظره ص ٥٣٥.(٥) انغماسهم في التّرف: شدة رغبتهم بالنعيم.(٦) استنكاره: استغرابه وعدم إقراره.(٧) تنديده بهم: إشهاره لعيوبهم، وإسماعهم قارس الكلام.(٨) الباقية: هي الآخرة، والفانية: هي الدّنيا.
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute