مَا زَكَّى بِهِ نَفْسَهُ، وَوَعَى مِنْ حَدِيثِهِ مَا مَلأَ بِهِ صَدْرَهُ، وَعَرَفَ مِنْ أَحْوَالِهِ وَأَخْبَارِهِ وَأَسْرَارِهِ وَشَمَائِلِهِ (١) مَا لَمْ يَعْرِفُهُ أَحَدٌ سِوَاهُ.
* * *
وَقَدْ لَقِيَ أَنَسُ بْنُ مَالِكِ مِنْ كَرِيمٍ مُعَامَلَةِ النَّبِيِّ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَظْفَرْ بِهِ وَلَدٌ مِنْ وَالِدٍ …
وَذَاقَ مِنْ نَبِيلِ شَمَائِلِهِ، وَجَلِيلِ خَصَائِلِهِ مَا تَغْبِطُهُ عَلَيْهِ الدُّنْيَا.
فَلْنَتْرُكُ لِأَنَسٍ الْحَدِيثَ عَنْ بَعْضِ الصُّوَرِ الْوَضَّاءَةِ مِنْ هَذِهِ الْمُعَامَلَةِ الْكَرِيمَةِ الَّتِي لَقِيَهَا فِي رِحَابِ النَّبِيِّ السَّمْحِ (٢) الْكَرِيمِ ﷺ، فَهُوَ بِهَا أَدْرَى، وَعَلَى وَصْفِهَا أَقْوَى …
قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ:
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا، وَأَرْحَبِهِمْ (٣) صَدْرًا، وَأَوْفَرِهِمْ حَنَانًا …
فَقَدْ أَرْسَلَنِي يَوْمًا لِحَاجَةٍ فَخَرَجْتُ، وَقَصَدْتُ صِبْيَانًا يَلْعَبُونَ فِي السُّوقِ لأَلْعَبَ مَعَهُمْ وَلَمْ أَذْهَبْ إِلَى مَا أَمَرَنِي بِهِ، فَلَمَّا صِرْتُ (٤) إِلَيْهِمْ شَعَرْتُ بِإِنْسَانٍ يَقِفُ خَلْفِي، وَيَأْخُذُ بِثَوْبِي …
فَالْتَفَتُّ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَبْتَسِمُ وَيَقُولُ:
(يَا أُنَيْسُ أَذَهَبْتَ حَيْثُ أَمَرْتُكَ؟).
فَارْتَبَكْتُ وَقُلْتُ: نَعَمْ …
إِنِّي ذَاهِبٌ الْآنَ يَا رَسُولَ اللَّهِ …
(١) شَمَائِله: خصاله الحميدة.(٢) السَّمْح: الجواد المعطاء اللّين.(٣) أَرْحَبهُمْ صَدْرًا: أوسعهم صدرًا وأطولهم أناة.(٤) صِرْتُ إِلَيْهِمْ: انتهيت إليهم.
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute