قَاتَلَ اللَّهُ بَنِي "قَيْلَةَ" (١)، وَاللَّهِ إِنَّهُمُ الآنَ لَمُجْتَمِعُونَ "بِقُبَاءَ" (٢)، عَلَى رَجُلٍ قَدِمَ عَلَيْهِمُ الْيَوْمَ مِنْ مَكَّةَ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ.
فَمَا إِنْ سَمِعْتُ مَقَالَتَهُ حَتَّى مَسَّنِي مَا يُشْبِهُ الْحُمَّى، وَاضْطَرَبْتُ اضْطِرَابًا شَدِيدًا حَتَّى خَشِيتُ أَنْ أَسْقُطَ عَلَى سَيْدِي، وَبَادَرْتُ إِلَى النُّزُولِ عَنِ النَّخْلَةِ، وَجَعَلْتُ أَقُولُ لِلرَّجُلِ:
مَاذَا تَقُولُ؟! أَعِدْ عَلَيَّ الْخَبَرَ … فَغَضِبَ سَيِّدِي وَلَكَمَنِي لَكْمَةً شَدِيدَةً، وَقَالَ لي:
مَا لَكَ وَلِهَذَا؟! عُدْ إِلَى مَا كُنْتَ فِيهِ مِنْ عَمَلِكَ.
* * *
وَلَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ أَخَذْتُ شَيْئًا مِنْ تَمْرٍ كُنْتُ جَمَعْتُهُ، وَتَوَجَّهْتُ بِهِ إِلَى حَيْثُ يَنْزِلُ الرَّسُولُ ﷺ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، وَقُلْتُ لَهُ:
إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّكَ رَجُلٌ صَالِحٌ، وَمَعَكَ أَصْحَابٌ لَكَ غُرَبَاءُ ذَوُو حَاجَةٍ، وَهَذَا شَيْءٌ كَانَ عِنْدِي لِلصَّدَقَةِ فَرَأَيْتُكُمْ أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِكُمْ، ثُمَّ قَرَّبْتُهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ:
(كُلُوا) … وَأَمْسَكَ يَدَهُ فَلَمْ يَأْكُلْ.
فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَذِهِ وَاحِدَةٌ.
ثُمَّ انْصَرَفْتُ وَأَخَذْتُ أَجْمَعُ بَعْضَ التَّمْرِ، فَلَمَّا تَحَوَّلَ الرَّسُولُ ﷺ مِنْ "قُبَاءَ" إِلَى الْمَدِينَةِ جِئْتُهُ فَقُلْتُ لَهُ:
إِنِّي رَأَيْتُكَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ وَهَذِهِ هَدِيَّةٌ أَكْرَمْتُكَ بِهَا … فَأَكَلَ مِنْهَا وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ فَأَكَلُوا مَعَهُ.
(١) بنو قيلة: الأوس والخزرج.(٢) قباء: اسم بئر قرب المدينة.
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute