للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وما يورد هذه الأخبار عنهم إيرادا مستحسنا لها إلا جاهل بأصول الشرع، فأما العالم المتمكن فإنه لا يهوله قول معظم فكيف بفعل جاهل مبرسم (١)، وأما كونهم لا يأكلون اللحم فهذا مذهب البراهمة الذين لا يرون ذبح الحيوان والله ﷿ أعلم بمصالح الأبدان فأباح اللحم لتقويتها، فأكل اللحم يقوي القوة وتركه يضعفها ويسيء الخلق، وقد كان رسول الله يأكل اللحم ويحب الذراع من الشاة (٢)، ودخل يوما فقدم إليه طعام من طعام البيت، فقال: لم أر لكم برمة تفور (٣). وكان الحسن البصري يشتري كل يوم لحما، وعلى هذا كان السلف إلا أن يكون فيهم فقير فيبعد عهده باللحم لأجل الفقر. وأما من منع نفسه الشهوات فإن هذا على الإطلاق لا يصلح لأن الله ﷿ لما خلق بني آدم على الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة وجعل صحته موقوفة على تعادل الأخلاط الدم والبلغم والمرة الصفراء والمرة السوداء، فتارة يزيد بعض الأخلاط فتميل الطبيعة إلى ما ينقصه مثل أن تزيد الصفراء فيميل الطبع إلى الحموضة أو ينقص البلغم فتميل النفس إلى المرطبات، فقد ركب في الطبع الميل إلى ما تميل إليه النفس وتوافقه، فإذا مالت النفس إلى ما يصلحها فمنعت فقد قوبلت حكمة البارى بردها ثم يؤثر ذلك في البدن، فكان هذا الفعل مخالفا للشرع والعقل، ومعلوم أن البدن مطية الآدمي ومتى لم يرفق بالمطية لم تبلغ، وإنما قلت علوم هؤلاء فتكلموا بآرائهم الفاسدة لنا فإن أسندوا فإلى حديث ضعيف أو موضوع أو يكون فهمهم منه رديئا. ولقد عجبت لأبي حامد الغزالي الفقيه كيف نزل مع القوم من رتبة الفقه إلى مذاهبهم حتى إنه قال: لا ينبغي للمريد إذا تاقت نفسه الى الجماع أن يأكل فيعطي نفسه شهوتين فتقوى عليه.

قال المصنف : وهذا قبيح في الغاية فإن الإدام شهوة فوق الطعام فينبغي أن لا يأكل اداما والماء شهوة أخرى. أوليس في الصحيح.


(١) المبرسم: المصاب بمرض البرسام.
(٢) «في الشمائل» للترمذي عن أبي هريرة قال: أتي النبي بلحم فرفع اليه الذراع - وكان تعجبه - فنهش منها». وعن ابن مسعود قال: كان النبي يعجبه الذراع.
(٣) لم أجده.

<<  <   >  >>