وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ رَجُلًا لَيِّنًا سَهْلًا، هَيِّنًا عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا، فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: بَلْ أَنْتَ مَدَدٌ لِي، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: يَا عَمْرُو، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِي:
لَا تَخْتَلِفَا، وَإِنَّكَ إنْ عَصَيْتَنِي أَطَعْتُكَ، قَالَ: فَإِنِّي الْأَمِيرُ عَلَيْكَ، وَأَنْتَ مَدَدٌ لِي، قَالَ: فَدُونَكَ. فَصَلَّى عَمْرٌو بِالنَّاسِ.
(وَصِيَّةُ أَبِي بَكْرٍ رَافِعَ بْنَ رَافِعٍ) :
قَالَ: وَكَانَ مِنْ الْحَدِيثِ فِي هَذِهِ الْغَزَاةِ، أَنَّ رَافِعَ بْنَ أَبِي رَافِعٍ الطَّائِيَّ، وَهُوَ رَافِعُ بْنُ عَمِيرَةَ، كَانَ يُحَدِّثُ فِيمَا بَلَغَنِي عَنْ نَفْسِهِ، قَالَ: كُنْتُ امْرَأً نَصْرَانِيًّا، وَسُمِّيتُ سَرْجِسَ، فَكُنْتُ أَدَلَّ النَّاسِ وَأَهْدَاهُمْ بِهَذَا الرَّمَلِ، كُنْتُ أَدْفِنُ الْمَاءَ فِي بَيْضِ النَّعَامِ بِنَوَاحِي الرَّمْلِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ أُغِيرُ عَلَى إبِلِ النَّاسِ، فَإِذَا أَدْخَلْتهَا الرَّمْلَ غَلَبْتُ عَلَيْهَا، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يَطْلُبُنِي فِيهِ، حَتَّى أَمُرَّ بِذَلِكَ الْمَاءِ الَّذِي خَبَّأْتُ فِي بَيْضِ النَّعَامِ فَأَسْتَخْرِجُهُ، فَأَشْرَبُ مِنْهُ، فَلَمَّا أَسْلَمْتُ خَرَجْتُ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ الَّتِي بَعَثَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ إلَى ذَاتِ السَّلَاسِلِ، قَالَ:
فَقُلْتُ: وَاَللَّهِ لَأَخْتَارَنَّ لِنَفْسِي صَاحِبًا، قَالَ: فَصَحِبْتُ أَبَا بَكْرٍ، قَالَ: فَكُنْتُ مَعَهُ فِي رَحْلِهِ، قَالَ: وَكَانَتْ عَلَيْهِ عَبَاءَةٌ لَهُ فَدَكِيَّةٌ [١] ، فَكَانَ إذَا نَزَلْنَا بَسَطَهَا وَإِذَا رَكِبْنَا لَبِسَهَا، ثُمَّ شَكَّهَا عَلَيْهِ [٢] بِخِلَالِ لَهُ، قَالَ: وَذَلِكَ الَّذِي لَهُ يَقُولُ أَهْلُ نَجْدٍ حِينَ ارْتَدُّوا كُفَّارًا: نَحْنُ نُبَايِعُ ذَا الْعَبَاءَةِ! قَالَ: فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ الْمَدِينَةِ قَافِلِينَ، قَالَ:
قُلْتُ: يَا أَبَا بَكْرٍ، إنَّمَا صَحِبْتُكَ لِيَنْفَعَنِي اللَّهُ بِكَ، فَانْصَحْنِي وَعَلِّمْنِي، قَالَ: لَوْ لَمْ تَسْأَلْنِي ذَلِكَ لَفَعَلْتُ، قَالَ: آمُرُكَ أَنْ تُوَحِّدَ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَأَنْ تُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ هَذَا الْبَيْتَ، وَتَغْتَسِلَ مِنْ الْجَنَابَةِ، وَلَا تَتَأَمَّرْ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَبَدًا. قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَمَا أَنَا وَاَللَّهِ فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ لَا أُشْرِكَ باللَّه أَحَدًا أَبَدًا، وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَلَنْ أَتْرُكَهَا أَبَدًا إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَأَمَّا الزَّكَاةُ فَإِنْ يَكُ لِي مَالٌ أُؤَدِّهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَأَمَّا رَمَضَانُ فَلَنْ أَتْرُكَهُ أَبَدًا إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَأَمَّا الْحَجُّ فَإِنْ أَسْتَطِعْ أَحُجَّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَمَّا الْجَنَابَةُ فَسَأَغْتَسِلُ مِنْهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَأَمَّا الْإِمَارَةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ النَّاسَ يَا أَبَا بَكْرٍ لَا يَشْرُفُونَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ
[١] العباءة: الكساء الغليظ، وَيُقَال فِيهَا عَبَايَة بِالْيَاءِ. والفدكية: المنسوبة إِلَى فدك، وَهِي بَلْدَة بِخَيْبَر.[٢] شكها عَلَيْهِ: أنفذها بالحلال الّذي كَانَ يخللها بِهِ.
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute