الأعشى لأبيها: [من المتقارب]
فيا أبِ لا تَنْسنَا غائبًا … فإنَّا بخيرٍ إذا لم تَرِم
أرانا إذا أضمرتك البلا … دُ نُجْفَى وتقطعُ منَّا الرحم
فقال: فما الذي قلت لها؟ قلت: ما قال جرير: [من الوافر]
ثقي بالله ليسَ له شريكٌ … ومِنْ عندِ الخليفة بالنَّجاحِ (١)
فقال: أحسنت، وأعطاني ألف دينار (٢).
وقيل: إنَّ بعضَ اليهود بالبصرة قصدَ المازنيَّ ليقرأَ عليه كتاب سيبويه، ويعطيه مئة دينار، فامتنعَ مع فقرِه وفاقته، فقيلَ له في ذلك، فقال: هذا الكتاب يشتملُ على كذا وكذا آية من كتاب الله، وكيفَ أمكِّنُ ذميًّا من قراءته وتحكمه عليه؟! فأخذتني الحميَّةُ لكتاب الله، فاتَّفقَ أنَّ جاريةً غنَّت للواثق: [من الكامل]
أظلومُ إنَّ مصابكم رجلًا
فاختلفَ من بالحضرة في البيت، فبعضهم نصبَ "رجلًا"، وبعضهم رفعه، وسأل الجارية فقالت: قرأته على المازنيِّ بالنصب، فاستحضره من البصرة وسأله، وأعطاه ألفَ دينار وعادَ إلى البصرة، وقال: تركنا مئةً، فعوَّضَنا اللهُ ألفًا (٣).
وقال: نزلت ببُصرى الشام، فسألتُ عن فصحائهم، فقيل لي: عندنا امرأةٌ نصرانيَّةٌ في ديرٍ ظاهر البلد تقول الشعر، فخرجتُ إلى الدير فناديتُها، فاطلعت امرأةٌ مسنَّةٌ، فقلت: أنشديني لنفسك، فأنشدت: [من الطويل]
أيا رفقةً من أهل بُصْرَى تحمَّلت … تؤمُّ الحِمى لُقِّيتِ من رفقةٍ رُشدا
إذا ما وصلتم سالمينَ فبلِّغُوا … تحية من قد ظنَّ أن لا يَرى نجدا
وقولوا تركنا العامريَّ محرَّقًا … بنار الهوى والشوقُ قد جاوز الحدَّا
غدًا يكثرُ الباكونَ منَّا ومنكم … وتزدادُ داري من دياركم بُعدا (٤)
(١) ديوان جرير ١/ ٨٩.
(٢) في تاريخ بغداد ٧/ ٥٨٠، والمنتظم ١٢/ ١٢: خمس مئة دينار.
(٣) المنتظم ١٢/ ١٢ - ١٣. وسلف نحو الخبر بأطول مما هنا في ترجمة محمد بن عائذ (٢٣٢ هـ).
(٤) الخبر بنحوه في تاريخ دمشق تراجم النساء ص ٥٨٩ (طبعة مجمع اللغة) والأبيات فيه -عدا البيت الأخير- باختلاف يسير.