ما الحبُّ إلا هكذا … إنْ نكح الحبّ فسدْ (١)
قلت: أما نحن، فالعشقُ عندنا أن يقعدَ بين رجلَيها ويُجهدَ نفسَه، فقالت: ما هذا عاشق، هذا طالبُ وَلَد.
وقال: رأيت جاريةً بالطواف كأنَّها مَهاةُ رَمْلٍ، فجعلتُ أَنظر إليها وأملأ عيني من محاسنها، فقالت: [من الطويل]
وكنتَ متى أرسلتَ طَرْفَك رائدًا … لقلبك يومًا أَتعبتْك المناظرُ
رأيتَ الذي لا كلُّه أنت قادرٌ … عليه ولا عن بعضه أنت صابر (٢)
وقال: رأيتُ بالرَّبَذة جاريةً متبرقعة وهي تقول: يا معاشرَ الحجيج، نفرٌ من هُذَيل، ذهب بنعمتهم السَّيل، وضرمت بهم الأيام، حتى ما بهم نُجعة (٣)، ولا لهم قعدة، فمن يراقب منهم الدارَ الآخرة، ويعرف لهم حقَّ الآصرة؟ فقلنا: هل قلتِ في ذلك شيئًا؟ قالت؟ نعم: [من الكامل]
كفُّ الزمانِ توسَّدتْنا عَنوةً … شلَّت أناملُها عن الأعرابِ
قومٌ إذا حلَّ العُفاةُ ببابهمْ … أَلقَوا نوافلَهم بغير حساب
فقلنا: لو مَتَّعتينا بالنظر إلى وجهك، فكشفَت البُرقعَ عن وجهٍ لا تهتدي العقولُ بوصفه، فبُهتنا، فقالت: [من الكامل]
الدَّهرُ أبدى صفحةً قد صانها … أَبوايَ قبل تمرُّسِ الأيام
فتمتَّعوا بعيونكم في حُسنها … وانهَوا جوارحَكم عن الآثام (٤)
وقال: سمعت أعرابيةً تودِّع ابنها وتقول: كان اللهُ صاحبَك في سفرك، وخليفتَك في أهلك، وتولَّى نُجحَ طِلْبتك، امضِ مصاحَبًا مكلوءًا، لا شمَّت اللهُ بك عدوًّا، ولا أراني فيك سوءًا.
وقال: مات لأعرابيٍّ ولد، فقال: اللهمَّ إني وهبتُ له ما قصَّر فيه من بِرِّي، فهَبْ له
(١) أشعار أولاد الخلفاء ص ٣٢٦، والأغاني ٣/ ١٩٩ دون نسبة.
(٢) انظر ديوان الحماسة ٣/ ١٢٣٨ (بشرح المرزوقي)، ومصارع العشاق ٢/ ١٩٤، ومحاضرات الأدباء ٣/ ٢١٦.
(٣) النجعة: طلب الكلأ في موضعه. مختار الصحاح (نجع).
(٤) انظر روضة المحبين ص ٢٢٩، وطبقات الشافعية الكبرى ١/ ٢٦٢.