للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وقَالَ إِبْرَاهِيم بْن عليّ المؤيّديّ: سمعت أَبَا حمزة يقول: من المجال أن نحبّه ثُمَّ لا نذكره، ومن المُحال أن نذكره ثُمَّ لا يوجد له ذِكْر، ومن المُحال أن يوجد له ذِكْر ثُمَّ نشتغل بغيره.

قَالَ أبو نُعَيْم فِي الحلية: حكى لي عَبْد الواحد بْن أبي بَكْر: حدَّثني محمد بْن عَبْد الْعَزِيز: سمعتُ أَبَا عَبْد الله الرمليّ يقول: تكلَّم أبو حَمْزَةَ فِي جامع طَرسُوس فقتلوه. فبينما هُوَ يتكلَّم ذات يوم إذ صاح غرابٌ على سطح الجامع، فزعق أبو حَمْزَةَ، لبَّيك لَبّيك. فنسبوه إِلَى الزَّندقة وقَالَوا: حُلُوليّ زِنْديق. فشهدوا عليه، أُخرج وبيع فَرَسُهُ ونُودي عليه: هَذَا فرس الزِّنْديق١.

وقَالَ أبو نصر السّراجّ صاحب اللُّمع: بلغني عن أبي حَمْزَةَ أنّه دخل على الْحَارِث المحاسبيّ، فصاحت الشّاة: ماع. فشهق أبو حَمْزَةَ شهقة وقَالَ: لبْيك لبيَّك يا سيّديّ.

فغضب الْحَارِث -رحمه الله- وعمدَ إِلَى السِّكّين، وقَالَ: إنْ لم تَتُبْ ذبحتك. وقَالَ إِبْرَاهِيم: حَدَّثَنَا أبو نُعَيْم، حدَّثنا أَحْمَد بن محمد بن مقسم: حدَّثني أبو بدْر الخيّاط: سمعتُ أبا حمزة قلب: بينما أَنَا أسير فِي سفرة على التَّوكُّل والنّوم فِي عيني إذ وقعت فِي بئرٍ، فلم أقدر على الخروج لعُمْقها. فبينما أَنَا جالس إذ وقف على رأسها رجلان، فقال أحدهما لصاحبه: نجوز ونترك هَذِهِ فِي طريق السّابلة؟ قال: فما نصنع؟ فَبَدَرَتْ نفسي أن أقول: أَنَا فيها، فَنُودِيتُ: تتوكل علينا، وتشكو بلاءنا إِلَى سِوانا؟ فسكتُّ، وَمَضَيَا. ثُمَّ رجعا ومعهما شيء جعلاه على رأسها غطّوها به فقالت لي نفسي: أمِنْتَ طيَّها ولكن حصلت مسجونًا فيها.

فمكثت يومي وليلتي، فَلَمَّا كان من الغد ناداني شيء يهتف بي ولا أراه: تمسّك بي شديدًا.

فَمَددت يدي، فوقعت على شيءٍ خشِنٍ، فتمسّكت به، فَعَلاها وطرحني. فتأمَّلت فإذا هُوَ سبعٍ. فبمّا رَأَيْته لحِق من نفسي من ذلك ما يلحق من مثله. فهتف بي هاتف: يا أبا حَمْزَةُ استنقذناك من البلاء بالبلاء، وكَفَيْناك ما تخاف٢.


١ الحلبة "١٠/ ٣٢١".
٢ هذا الأثر يتناقض مع حرص المسلم على سؤال العفو والعافية، ودعوة الإسلام إلى عدم إلقاء النفس في الهلكة، فلينتبه إلى هذا، والخير كل الخير في اتباع من سلف، والشر كل الشر في ابتداع من خلف.