مِنْ كَفٍّ وَاحِدٍ، وإنما ذَكَرَه خالدُ بنُ عبدِ اللهِ، وخالدٌ ثقةٌ حافظٌ عندَ أهلِ الحديثِ. وقال بعضُ أهلِ العلمِ: المضمضةُ والاستِنشاقُ مِن كفٍّ واحدٍ يُجْزِئ. وقال بعضُهم: يُفَرِّقُهما أَحَبُّ إلينا. وقال الشافعيُّ: إنْ جَمَعَهما في كفٍّ واحدٍ فهو جائزٌ، وإنْ فَرَّقَهما فهو أَحَبُّ إلينا)).
قلنا: لم يَنفَرِدْ خالدُ بنُ عبدِ اللهِ الواسِطيُّ؛ فقد تابَعَه أيضًا سُلَيمانُ بنُ بلالٍ، كما عند البُخاريِّ (١٩٩)، بلفظ:((فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ))، وسيأتي تخريجُه.
وقد تَعَقَّبَ مُغْلَطايُ التِّرْمِذيَّ، فقال:((وفيه نظرٌ في موضعين:
الأول: قولُهُ عن مالكٍ وغيرِه: لم يَذْكُروا مِن كفٍّ واحدٍ: إنْ أرادَ اللفظَ فكذلك هو، وإن أرادَ المعنى فليس كذلك؛ لأن لفظَ حديثِ مالكٍ وغيرِه: ((فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ))، وفي لفظ:((ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ ثَلَاثِ غُرَفٍ))، وفي رواية:((مِنْ ثَلَاثِ حَفَنَاتٍ))، وفي رواية:((فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا، بِثَلَاثِ غَرْفَاتٍ مِنْ مَاءٍ)). فهذا كما ترى مالكٌ وغيرُه ذَكَروا معنَى ما ذَكَرَه خالد، والله أعلم.
الثاني: تحسينُه الحديثَ مع شهادتِهِ للمنفردِ به بالحفظِ، والحافظُ إذا تَفرَّدَ بحديثٍ عنده كان صحيحًا، لا سيَّما إذا عَضَّدَه متابِعٌ وشاهِدٌ كهذا، مع قطْعِ النظرِ عمَّن صَحَّحَهُ قبلُ، وذَكَر أبو عُبَيْدٍ في كتاب (الطهور): وجَدْنا الآثارَ عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم مُثبَتةً، فبعضُها معناه أنهما كانا بغَرْفةٍ واحدةٍ، وفي بعضها جَدَّد لكلِّ واحدٍ منها غَرْفةً، ففي هذا شاهدٌ أن الأمرين جميعًا واسِعان، وأنهما مِن سُنَّتِه، وقد عَمِلَتِ العلماءُ بالرُّخصة فيهما)) (شرح ابن ماجَهْ لمُغْلَطاي ١/ ٣٥٥)، وكلام أبي عبيد في كتابه (الطهور صـ ٣٣٩).