للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وهكذا كان يقرؤها الربيع بن أنس (فلا جناح عليهما فيما افتدت به منه) رواه ابن جرير (١)، لهذا قال بعده: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.

(فصل) قال الشافعي: اختلف أصحابنا في الخلع، فأخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس في رجل طلق امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه بعد، يتزوجها إن شاء، لأن الله تعالى يقول: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ قرأ إلى: ﴿أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ (٢).

قال الشافعي: وأخبرنا سفيانُ عن عمرو، عن عكرمة، قال: كل شيء أجازه المال فليس بطلاق (٣)، وروى غير الشافعي عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس: أن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص سأله قال: رجل طلق امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه، أيتزوجها؟ قال: نعم، ليس الخُلع بطلاق، ذكر اللّه الطلاق في أول الآية وآخرها، والخُلع فيما بين ذلك، فليس الخُلع بشيء، ثم قرأ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ قرأ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٤).

وهذا الذي ذهب إليه ابن عباس من أن الخُلع ليس بطلاق وإنما هو فسخ، هو رواية عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان وابن عمر (٥)، وهو قول طاوس وعكرمة، وبه يقول أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وداود بن علي الظاهري، وهو مذهب الشافعي في القديم، وهو ظاهر الآية الكريمة، والقول الثاني في الخلع: أنه طلاق بائن إلا أن ينوي أكثر من ذلك.

قال مالك: عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن جهمان مولى الأسلميين، عن أُم بكر الأسلمية: أنها اختلعت من زوجها عبد الله خالد بن أسيد فأتيا عثمان بن عفان في ذلك، فقال: تطليقة إلا أن تكون سميت شيئًا فهو ما سميت (٦).

قال الشافعي: ولا أعرف جهمان، وكذا ضعف أحمد بن حنبل هذا الأثر (٧)، واللّه أعلم.

وقد روي نحوه (٨) عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر، وبه يقول سعيد بن المسيب والحسن وعطاء وشريح والشعبي وإبراهيم وجابر بن زيد، وإليه ذهب مالك وأبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي وعثمان البتي (٩) والشافعي في الجديد، غير أن الحنفية عندهم أنه متى نوى المخالع بخلعه تطليقة أو اثنتين أو أطلق، فهو واحدة بائنة، وإن نوى ثلاثًا فثلاث، وللشافعي


(١) أخرجه الطبري من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع، وسنده جيد.
(٢) سنده صحيح وأشار إليه البيهقي بأنه رواه مختصرًا (السنن الكبرى ٧/ ٣١٦) وسيأتي كاملًا.
(٣) ذكره البيهقي بسنده ومتنه (السنن الكبرى ٧/ ٣١٦) وسنده صحيح.
(٤) أخرجه البيهقي من طريق سعدان بن نصر عن سفيان بن عيينة به (السنن الكبرى ٧/ ٣١٦) ونقل عن ابن المنذر: وليس في الباب أصح من حديث ابن عباس. ثم قال: يريد حديث طاوس عن ابن عباس (المصدر السابق).
(٥) قول عثمان وابن عمر سيأتي مسندًا في المسألة الآتية.
(٦) أخرجه الشافعي عن مالك به (ترتيب مسند الشافعي، كتاب الطلاق، باب في الخلع ٢/ ٥١ ح ١٦٥).
(٧) ذكره عبد الله بن الإمام أحمد عن أبيه قال: إسناده ما أدري ما هو جهمان. قال عبد اللّه: كأنه لم يرض إسناده (مسائل الإمام أحمد رواية ابنه ص ٢٣٨، ٢٣٩).
(٨) في الأصل: "غيره" والتصويب من (عف) و (حم) و (ح).
(٩) في الأصل: "وعثمان الليتي" والتصويب من (عف) و (حم) و (ح).