للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، أن الرُبيّع بنت معوذ بن عفراء حدثته، قالت: كان لي زوج يقل عليَّ الخير إذا حضرني، ويحرمني إذا غاب عني، قالت: فكانت مني زلة يومًا فقالت له: أختلع منك بكل شيء أملكه، قال: نعم، قالت: ففعلت، قالت: فخاصم عمي معاذ بن عفراء إلى عثمان بن عفان، فأجاز الخُلع، وأمره أن يأخذ عقاص رأسي فما دونه، أو قالت: ما دون عقاص الرأس (١).

ومعنى هذا أنه يجوز أن يأخذ منها كل ما بيدها من قليل وكثير ولا يترك لها سوى عقاص شعرها، وبه يقول ابن عمر وابن عباس ومجاهد وعكرمة وإبراهيم النخعي وقبيصة بن ذؤيب (٢) والحسن بن صالح وعثمان البتي (٣)، وهذا مذهب مالك والليث والشافعي وأبي ثور، واختاره ابن جرير، وقال أصحاب أبي حنيفة: إن كان الإضرار من قبلها، جاز أن يأخذ منها ما أعطاها، ولا يجوز الزيادة عليه، فإن ازداد جاز في القضاء، وإن كان الإضرار من جهته لم يجز أن يأخذ منها شيئًا، فإن أخذ، جاز في القضاء.

وقال الإمام أحمد وأبو عبيد وإسحاق بن راهويه: لا يجوز أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها، وهذا قول سعيد بن المسيب وعطاء وعمرو بن شعيب والزهري وطاوس والحسن والشعبي وحماد بن أبي سليمان والربيع بن أنس (٤).

وقال معمر والحكم: كان علي يقول: لا يأخذ من المختلعة فوق ما أعطاها (٥).

وقال الأوزاعي: القضاة لا يجيزون أن يأخذ منها أكثر مما ساق إليها.

(قلت): ويستدل لهذا القول بما تقدم من رواية قتادة عن عكرمة، عن ابن عباس في قصة ثابت بن قيس، فأمره رسول الله أن يأخذ منها الحديقة ولا يزداد، وبما روى عبد بن حميد حيث قال: أخبرنا قبيصة عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، أن النبي كره أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها (٦)؛ يعني: المختلعة، وحملوا معنى الآية على معنى (ولا جناح عليهما فيما افتدت به) أي: من الذي أعطاها لتقدم قوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ أي: من ذلك،


(١) أخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به، وأخرجه البيهقي من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل به (السنن الكبرى، الخلع، باب الوجه الذي تحل به الفدية ٧ ج ٣١٥)، وأخرجه الحافظ ابن حجر من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل، وحسن إسناده (تغليق التعليق ٤/ ٤٦١).
(٢) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسنده صحيح، وكذا قول عكرمة والحسن وقول مجاهد وإبراهيم وقبيصة بن ذؤيب أخرجه سعيد بن منصور وصحح الحافظ سنده إلى قبيصة (الفتح ٩/ ٣٩٧).
(٣) في الأصل: "اللبتي" والتصويب من (عف) و (حم) و (ح).
(٤) قول عمرو بن شعيب وعطاء بن أبي رباح والزهري أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح عن الأوزاعي به (المصنف ٥/ ١٢٣) وقول الشعبي أخرجه الطبري بسند صحيح.
(٥) قول معمر أخرجه عبد الرزاق (المصنف رقم ١١٨٤٨) ومعمر لم يسمع من علي وقول الحكم وهو ابن عتيبة أخرجه عبد الرزاق من طريق ليث بن أبي سليم عن الحكم به (المصنف ١١٨٤٤) وليث فيه مقال، والحكم لم يدرك عليًا أيضًا.
(٦) سنده مرسل وقد تقدم موصولًا في صحيح البخاري.