وقال الطحاوي: حكى لنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أنه سمع الشافعي يقول: ما صحَّ عن النبي ﷺ في تحليله ولا تحريمه شيء والقياس أنه حلال.
وقد روى ذلك أبو بكر الخطيب عن أبي سعيد الصيرفي، عن أبي العباس الأصم، سمعت محمد بن عبد اللّه بن عبد الحكم، سمعت الشافعي يقول: فذكره.
قال أبو نصر الصباغ: كان الربيع يحلف باللّه الذي لا إله إلا هو، لقد كذب - يعني ابن عبد الحكم - على الشافعي في ذلك، فإن الشافعي نصَّ على تحريمه في ستة كتب من كتبه (١)، واللّه أعلم.
وقوله: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ أي: من فعل الطاعات مع امتثال ما أنهاكم عنه من ترك المحرمات، ولهذا قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ أي: فيحاسبكم على أعمالكم جميعها ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: المطيعين الله فيما أمرهم، التاركين ما عنه زجرهم.
وقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسيني، حدثني محمد بن كثير، عن عبد الله بن واقد، عن عطاء، قال: أراه عن ابن عباس ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ قال: تقول: باسم اللّه التسمية عند الجماع (٢).
وقد ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله، قال: باسم اللّه، اللَّهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره الشيطان أبدًا"(٣).
يقول تعالى: لا تجعلوا أيمانكم باللّه تعالى مانعة لكم من البر وصلة الرحم إذا حلفتم على تركها، كقوله تعالى ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢] فالاستمرار على اليمين آثم لصاحبها من الخروج منها بالتكفير، كما قال البخاري: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، عن النبي ﷺ قال:"نحن الآخرون السابقون يوم القيامة". وقال رسول ﷺ:"واللّه لأن يلجّ أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند اللّه من أن يعطي كفارته التي افترض اللّه عليه"(٤)، وهكذا رواه مسلم عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق به (٥)، ورواه أحمد عنه به، ثم قال البخاري: حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا يحيى بن صالح، حدثنا معاوية هو ابن سلام، عن يحيى وهو ابن أبي كثير، عن عكرمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه ﷺ: "من استلجّ في أهله بيمين فهو أعظم إثمًا،
(١) ذكره الحافظ ابن حجر وأطول في التلخيص الحبير ٣/ ١٨١ - ١٨٢. (٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه الحسين وهو سنيد فيه مقال. (٣) صحيح البخاري، الوضوء، باب التسمية على كل حال وعند الوقاع (ح ١٤١). (٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، الأيمان والنذور، باب ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] ح ٦٦٢٤). (٥) صحيح مسلم، الأيمان (ح ١٦٥٥).