للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

التحميض؟ فذكر له الدبر، فقال: ابن عمر: أفٍّ أفٍّ! وهل يفعل ذلك مؤمن، أو قال: مسلم؟ فقال مالك: أشهد على ربيعة لأخبرني عن أبي الحباب، عن ابن عمر مثل ما قال نافع (١).

وروى النسائي عن الربيع بن سليمان، عن أصبغ بن الفرج الفقيه، حدثنا عبد الرحمن بن القاسم، قال: قلت لمالك: إن عندنا بمصر الليث بن سعد يحدث عن الحارث بن يعقوب، عن سعيد بن يسار قال: قلت لابن عمر: إنا نشتري الجواري أفنحمض لهن؟ قال: وما التحميض؟ قلت: نأتيهن في أدبارهن فقال: أف أف أو يعمل هذا مسلم! فقال لي مالك: فأشهد على ربيعة لحدّثني عن سعيد بن يسار، أنه سأل ابن عمر، فقال: لا بأس به (٢). وروى النسائي أيضًا من طريق يزيد بن رومان، عن عبيد الله بن عبد الله: أن ابن عمر كان لا يرى بأسًا أن يأتي الرجل المرأة في دبرها (٣). وروى معن بن عيسى، عن مالك أن ذلك حرام (٤).

وقال أبو بكر بن زياد النيسابوري: حدثني إسماعيل بن حسين، حدثني إسرائيل بن روح، سألت مالك بن أنس: ما تقول في إتيان النساء في أدبارهن؟ قال: ما أنتم إلا قوم عرب، هل يكون الحرث إلا موضع الزرع؟ لا تعدوا الفرج، قلت: يا أبا عبد اللّه، إنهم يقولون أنك تقول ذلك. قال: يكذبون على يكذبون عليَّ.

فهذا هو الثابت عنه، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهم قاطبة، وهو قول سعيد بن المسيب وأبي سلمة وعكرمة وطاوس وعطاء وسعيد بن جبير وعروة بن الزبير ومجاهد بن جبر والحسن وغيرهم من السلف، أنهم أنكروا ذلك أشد الإنكار، ومنهم من يطلِق على فعله الكفر (٥). وهو مذهب جمهور العلماء، وقد حكي في هذا شيء عن بعض فقهاء المدينة حتى حكوه عن الإمام مالك، وفي صحته نظر.

قال الطحاوي: روى أصبغ بن الفرج، عن عبد الرحمن بن القاسم، قال: ما أدركت أحدًا أقتدي به في ديني يشك أنه حلال؛ يعني: وطء المرأة في دبرها، ثم قرأ ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ ثم قال: فأي شيء أبين من هذا؟ هذه حكاية الطحاوي.

وقد روى الحاكم والدارقطني والخطيب البغدادي عن الإمام مالك من طرق ما يقتضي إباحة ذلك، ولكن في الأسانيد ضعف شديد، وقد استقصاها شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي في جزء جمعه في ذلك، والله أعلم.


(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه النسائي من طريق أصبغ بن الفرج عن عبد الرحمن بن القاسم به (السنن الكبرى ٨/ ١٩٠ ح ٨٩٣٠)، وهذا هو الحق الثابت عن ابن عمر ، وقال الطحاوي: والدليل على صحة هذا إنكار سالم بن عبد الله أن يكون ذلك كان من أبيه (شرح معاني الآثار ٣/ ٤١).
(٢) المصدر السابق.
(٣) أخرجه النسائي من طريق خارجة بن عبد الله بن سليمان عن يزيد بن رومان به (السنن الكبرى ٨/ ١٩٠ ح ٨٩٣١)، وفي سنده خارجة: صدوق له أوهام.
(٤) ينظر المصدر السابق.
(٥) أخرج الدارمي بسند حسن عن طاوس وسعيد بن جبير ومجاهد وعطاء أنهم كانوا ينكرون إتيان النساء في أدبارهن ويقولون: هو الكفر (السنن، الطهارة، باب من أتى امرأته في دبرها ١/ ٢٦١).