للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فنزلت الآية التي في المائدة، فدعي عمر، فقرئت عليه فلما بلغ ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾؟ قال عمر: انتهينا انتهينا (١).

هكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي من طرق عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، وكذا رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق الثوري عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة واسمه عمرو بن شرحبيل الهمداني الكوفي، عن عمر وليس له عنه سواه، لكن قد قال أبو زرعة: لم يسمع منه، واللّه أعلم. وقال علي بن المديني: هذا إسناد صالح، وصححه الترمذي، وزاد ابن أبي حاتم بعد قوله: انتهينا: إنها تذهب المال وتذهب العقل (٢)، وسيأتي هذا الحديث أيضًا مع ما رواه أحمد من طريق أبي هريرة أيضًا عند قوله في سورة المائدة: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ الآيات [المائدة: ٩٠]، فقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ أما الخمر، فكما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب : إنه كل ما خامر العقل (٣)، كما سيأتي بيانه في سورة المائدة، وكذا الميسر وهو القمار.

وقوله: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ أما إثمهما فهو في الدين، وأما المنافع فدنيوية من حيث إن فيها نفع البدن وتهضيم الطعام وإخراج الفضلات وتشحيذ بعض الأذهان ولذة الشدة المطربة التي فيها، كما قال حسان بن ثابت في جاهليته:

ونشربها فتتركنا ملوكًا … وأُسدًا لا يُنَهنهُنا (٤) اللقاء (٥)

وكذا بيعها والانتفاع بثمنها، وما كان يقمشه بعضهم من الميسر فينفقه على نفسه أو عياله، ولكن هذه المصالح لا توازي مضرته ومفسدته الراجحة، لتعلقها بالعقل والدين، ولهذا قال اللّه تعالى: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾، ولهذا كانت هذه الآية ممهدة لتحريم الخمر على البتات، ولم تكن مصرحة بل معرضة، ولهذا قال عمر لما قرئت عليه: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، حتى نزل التصريح [بتحريمها] (٦) في سورة المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)[المائدة] وسيأتي الكلام على ذلك في سورة المائدة - إن شاء اللّه تعالى وبه الثقة.

قال ابن عمر والشعبي ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هذه


(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٣٧٨)، وصححه محققه أحمد شاكر وأخرجه الترمذي من طريق محمد بن يوسف عن إسرائيل به، وصححه (السنن، التفسير سورة المائدة ح ٣٠٤٩)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٤٤٢)، وأخرجه أبو داود من طريق وكيع عن إسرائيل به. وقال: هذا أصح من حديث محمد بن يوسف (السنن - الأشربة - باب تحريم الخمر ح ٣٦٧٠).
(٢) أخرجه ابن ابن أبي حاتم من طريق الثوري عن أبي إسحاق به. وقد نقله الحافظ ابن كثير ونقل عن ابن المديني: أن إسناده صالح.
(٣) ثبت عن عمر كما تقدم في رواية ابن أبي حاتم السابقة.
(٤) أي: لا يزجرنا.
(٥) ديوان حسان بن ثابت ص ٢٧.
(٦) في الأصل: "بها" والتصويب من (عف) و (ح) و (حم).