للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

إبراهيم ، فقالت اليهود: كان يهوديًا، وقالت النصارى: كان نصرانيًا، وجعله الله حنيفًا مسلمًا، فهدى الله أُمة محمد للحق من ذلك. واختلفوا في عيسى ، فكذبت به اليهود وقالوا لأمه بهتانًا عظيمًا، وجعلته النصارى إلهًا وولدًا، وجعله الله روحه وكلمته، فهدى الله أُمة محمد للحق من ذلك (١).

وقال الربيع بن أنس في قوله: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ أي: عند الاختلاف أنهم كانوا على ما جاءت به الرسل قبل الاختلاف، أقاموا على الإخلاص لله ﷿ وحده، وعبادته لا شريك له، هاقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فأقاموا على الأمر الأول الذي كان قبل الاختلاف واعتزلوا الاختلاف وكانوا شهداء على الناس يوم القيامة شهداء على قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم شعيب وآل فرعون، أن رسلهم قد بلغوهم، وأنهم قد كذبوا رسلهم، وفي قراءة أُبي بن كعب: (وليكونوا شهداء على الناس يوم القيامة، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم)، وكان أبو العالية يقول في هذه الآية: المخرج من الشبهات والضلالات والفتن (٢).

وقوله: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ أي: بعلمه بهم وبما هداهم له، قاله ابن جرير (٣):

﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: من خلقه ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: وله الحكمة (٤) والحجة البالغة، وفي صحيح البخاري ومسلم عن عائشة: أن رسول الله ، كان إذا قام من الليل يصلي يقول: "اللَّهم ربِّ جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم" (٥).

وفي الدعاء المأثور: "اللَّهم أرنا الحق حقًّا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبسًا علينا فنضل، واجعلنا للمتقين إمامًا" (٦).

﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾.

يقول تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ قبل أن تبتلوا وتخبروا وتمتحنوا كما فعل بالذين من قبلكم من الأمم، ولهذا قال: ﴿وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ﴾ وهي الأمراض والأسقام والآلام والمصائب والنوائب.


(١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب به، وفي سنده عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ضعيف.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق آدم بن أبي إياس، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب.
(٣) ذكره الطبري، بلفظ: "بعلمه بهم لما هداهم له" (التفسير ٣/ ٦٣٣).
(٤) في الأصل: "الحكم" وما أثبت من (عف) و (عش) و (ح).
(٥) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين (ح ٧٧٠).
(٦) ذكره العراقي بلفظ: "اللهم أرني الحق حقًّا فأتبعه" (المغني عن حمل الأسفار ٢/ ٣٦٦).