للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

﴿آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢)[الحج]، ولهذا قال في هذه الآية: ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ أي: هي كافيته عقوبة في ذلك.

وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ لما أخبر عن المنافقين بصفاتهم الذميمة، ذكر صفات المؤمنين الحميدة فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس وأنس وسعيد بن المسيب وأبو عثمان النهدي وعكرمة وجماعة: نزلت في صُهيب بن سنان الرومي، وذلك أنه لما أسلم بمكة وأراد الهجرة، منعه الناس أن يهاجر بماله، وإن أحب أن يتجرد منه ويهاجر فعل، فتخلص منهم وأعطاهم ماله، فأنزل الله فيه هذه الآية، فتلقاه عمر بن الخطاب وجماعة إلى طرف الحرة وقالوا له: ربح البيع فقال: وأنتم فلا أخسر الله تجارتكم وما ذاك؟ فأخبره أن الله أنزل فيه هذه الآية (١).

ويروَى أن رسول الله قال له: "ربح البيع صهيب ربح البيع صهيب" (٢). قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن عبد الله بن رستة، حدثنا سليمان بن داود، حدثنا جعفر بن سليان الضبعي، حدثنا عوف، عن أبي عثمان النهدي، عن صُهيب، قال: لما أردت الهجرة من مكة إلى النبي قالت لي قريش: يا صُهيب قدمت إلينا، ولا مال لك، وتخرج أنت ومالك! والله لا يكون ذلك أبدًا، فقلت لهم: أرأيتم إن دفعت إليكم مالي تخلون عني؟ قالوا: نعم، فدفعت إليهم مالي، فخلوا عني، فخرجت حتى قدمت المدينة، فبلغ ذلك النبي فقال: "رَبح صُهيب رَبح صُهيب" مرتين (٣).

وقال حماد بن سلمة: عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، قال: أقبل صُهيب مهاجرًا نحو النبي فاتبعه نفر من قريش، فنزل [عن] (٤) راحلته وأنثل ما في كنانته، ثم قال: يا معشر قريش قد علمتم أني من أرماكم رجلًا، وأنتم والله لا تصلون إلي حتى أرمي بكل (٥) سهم في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، ثم افعلوا ما شئتم وإن شئتم دللتكم على مالي وقنيتي بمكة وخليتم سبيلي، قالوا: نعم، فلما قدم على النبي قال: "ربح البيع ربح البيع" قال: ونزلت ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)(٦).


(١) أخرجه الحاكم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس مختصرًا وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٩٨)، وأخرجه ابن سعد (الطبقات ٣/ ٢٢٨)، الحارث بن أبي أُسامة (بغية الباحث ح ٦٧٩)، وابن أبي حاتم كلهم من طريق علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن صهيب وعلي بن زيد هو ابن جدعان: ضعيف. وله شواهد سابقة ولاحقة.
وأخرجه الطبري بسند ضعيف عن عكرمة بنحوه.
(٢) لفظ رواية الحاكم: "أبا يحيى ربح البيع".
(٣) سنده حسن إذا سمع أبو عثمان النهدي من صهيب. وإذا لم يسمع فسنده حسن لغيره بما سبق. وقد أخرجه ابن سعد من طريق أبي عثمان قال: بلغني أن صهيبًا .. (الطبقات الكبرى ٢/ ٢٢٧).
(٤) في الأصل: "من".
(٥) في الأصل: "كل".
(٦) في سنده علي بن زيد تقدم الكلام عنه في الرواية قبل السابقة.