وقوله: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ الألَد في اللغة الأعوج ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧] أي: عوجًا، وهكذا المنافق في حال خصومته، يكذب ويزور عن الحق ولا يستقيم معه، بل يفتري ويفجر، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال:"آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر"(٢).
وقال البخاري: حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان عن ابن جريج، عن ابن مليكة، عن عائشة ترفعه، قال:"أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم"(٣). قال: وقال عبد الله بن يزيد: حدثنا سفيان، حدثنا ابن جريج عن ابن مليكة عن عائشة عن النبي ﷺ(٤)، وهكذا رواه عبد الرزاق عن معمر في قوله: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، عن النبي ﷺ، قال:"إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم"(٥).
وقوله: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥)﴾ أي: هو أعوج المقال سيء الفعال، فذلك قوله وهذا فعله، كلامه كذب، واعتقاده فاسد، وأفعاله قبيحة، والسعي - ههنا - هو القصد، كما قال إخبارًا عن فرعون: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦)﴾ [النازعات]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] أي: اقصدوا واعمدوا ناوين بذلك صلاة الجمعة، فإن السعي الحسي إلى الصلاة منهي عنه بالسنة النبوية:"إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة والوقار"(٦)، فهذا المنافق ليس له همة إلا الفساد في الأرض وإهلاك الحرث، وهو محل نماء الزروع والثمار والنسل، وهو نتاج الحيوانات الذين لا قوام للناس إلا بهما.
وقال مجاهد: إذا سعى في الأرض فسادًا، منع الله القطر فهلك الحرث والنسل (٧).
﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ أي: لا يحب من هذه صفته، ولا من يصدر منه ذلك.
وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ أي: إذا وعظ هذا الفاجر في مقاله وفعاله، وقيل له: اتقِ الله وانزع عن قولك وفعلك وارجع إلى الحق، امتنع وأبى وأخذته الحمية والغضب بالإثم، أي: بسبب ما اشتمل عليه من الآثام، وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ
(١) عزاه إلى ابن عباس أي الرواية المتقدمة من رواية ابن إسحاق، وما حكاه عن مجاهد فقد أخرجه أيضًا بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو، المظالم، باب إذا خاصم فجر (ح ٢٤٥٩)، وصحيح مسلم، الإيمان، بيان خصال المنافق (ح ٥٨). (٣) أخرجه البخاري في صحيحه بسنده ومتنه، التفسير، باب ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤] (ح ٤٥٢٣). (٤) صحيح البخاري، الأحكام، باب الألد الخصم (ح ٧١٨٨). (٥) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه (التفسير ١/ ٩٧). (٦) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا بعدة ألفاظ (الصحيح، المساجد، باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة ح ٦٠٢) وما بعده. (٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق النضر بن عربي عنه.