للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن القرظي، عن نوف وهو البكالي وكان ممن يقرأ الكتب، قال: إني لأجد صفة ناس من هذه الأمة في كتاب الله المنزل: قوم يحتالون الدنيا بالدين، ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمرّ من الصبر، يلبسون للناس مسوك الضأن، وقلوبهم قلوب الذئاب، فعليّ يجترئون وبي يغترون، حلفت بنفسي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم فيها حيران، قال القرظي: تدبرتها في القرآن فإذا هم المنافقون فوجدتها ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ … ﴾ الآية (١).

وحدثني محمد بن أبي معشر: أخبرني أبو معشر نجيح، قال: سمعت سعيدًا المقبري يذاكر محمد بن كعب القرظي، فقال سعيد: إن في بعض الكتب: إن لله عبادًا ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر، لبسوا للناس مسوك الضأن من اللين، يجترئون الدنيا بالدين، قال الله تعالى: عليّ تجترئون وبي تغترون؟ وعزتي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم منهم حيران، فقال محمد بن كعب: هذا في كتاب الله، فقال سعيد: وأين هو من كتاب الله؟ قال: قول الله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية، فقال سعيد: قد عرفت فيمن أُنزلت هذه الآية؟ فقال محمد بن كعب: إن الآية تنزل في الرجل ثم تكون عامة بعد (٢).

وهذا الذي قاله القرظي، حسن صحيح.

وأما قوله: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ فقرأه ابن محيصن (وَيشهد اللهُ) بفتح الياء وضم الجلالة (٣).

﴿عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ ومعناها هذا وإن أظهر لكم الجميل لكن الله يعلم من قلبه القبيح كقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)[المنافقون] وقراءة الجمهور بضم الياء ونصب الجلالة (٤)، ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ ومعناه أنه يظهر للناس الإسلام ويبارز الله بما في قلبه من الكفر والنفاق [كقوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ الآية [النساء: ١٠٨]] (٥) هذا معنى ما رواه ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس (٦).

وقيل: معناه أنه إذا أظهر للناس الإسلام حلف وأشهد الله لهم أن الذي في قلبه موافق للسانه، وهذا المعنى صحيح، وقاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (٧)، واختاره ابن جرير وعزاه


= حاتم بسند جيد.
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وسنده حسن.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه أبو معشر نجيح: ضعيف كما في التقريب واستحسن متنه الحافظ.
(٣) وهي قراءة شاذة.
(٤) وهي قراءة متواترة.
(٥) الزيادة من (عش) و (عف) و (ح).
(٦) إسناده حسن، وهذا الأثر هو الذي تقدم تخريجه في تفسير الطبري وابن أبي حاتم.
(٧) رواية عبد الرحمن بن زيد أخرجها الطبري من طريق ابن وهب عنه مرفوعًا، وسنده معضل لأن عبد الرحمن تابع تابعي.