للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو نعيم، حدثنا أبو إسرائيل العبسي، عن أبي بكر بن حفص، عن أُم ولد حاطب بن أبي بلتعة أنها مرَّت برسول الله وهو يتسحّر فدعاها إلى الطعام، فقالت: إني صائمة، قال: وكيف تصومين. فذكرت ذلك للنبي ، فقال: أين أنت من وصال آل محمد من السحر إلى السحر" (١).

وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا إسرائيل، عن عبد الأعلى، عن محمد بن علي، عن علي أن النبي كان يواصل من السحر إلى السحر (٢).

وقد روى ابن جرير عن عبد الله بن الزبير (٣) وغيره من السلف (٤): أنهم كانوا يواصلون الأيام المتعددة، وحمله منهم على أنهم كانوا يفعلوا ذلك رياضة لأنفسهم لا أنهم كانوا يفعلونه عبادة، والله أعلم. ويحتمل أنهم كانوا يفهمون من النهي أنه إرشاد من باب الشفقة، كما جاء في حديث عائشة: رحمة لهم، فكان ابن الزبير وابنه عامر (٥) ومن سلك سبيلهم يتجشمون ذلك ويفعلونه، لأنهم كانوا يجدون قوة عليه، وقد ذكر عنهم أنهم كانوا أول ما يفطرون على السمن والصبر لئلا تتخرق الأمعاء بالطعام أولًا، وقد روي عن ابن الزبير أنه كان يواصل سبعة أيام ويصبح في اليوم السابع أقواهم وأجلدهم (٦).

وقال أبو العالية: إنما فرض الله الصيام بالنهار، فإذا جاء الليل فمن شاء أكل ومن شاء لم يأكل (٧).

قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هذا في الرجل يعتكف في المسجد في رمضان أو في غير رمضان، فحرم الله عليه أن ينكح النساء ليلًا أو نهارًا حتى يقضي اعتكافه (٨).

وقال الضحاك: كان الرجل إذا اعتكف فخرج من المسجد جامع إن شاء، فقال الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ أي: لا تقربوهن ما دمتم عاكفين في المسجد ولا في غيره (٩).

وكذا قال مجاهد وقتادة وغير واحد: أنهم كانوا يفعلون ذلك حتى نزلت هذه الآية (١٠).


(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ويشهد له سابقه ولاحقه.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٣٧٨ ح ١١٩٤) وقال محققوه: حسن لغيره.
(٣) أخرجه الطبري من طريق حفص عن هشام بن عروة عنه به، أنه كان يواصل سبعة أيام فلما كبر جعلها خمسًا … وفيه مبالغة والله أعلم.
(٤) أخرج الطبري بسند عن ابن أبي يَعَمر أنه كان يفطر في كل شهر مرة. وهذا أشد مبالغة.
(٥) ذكر الطبري وصالهما في تفسيره وتقدم الكلام عن وصال ابن الزبير، وأما وصال ابنه عامر فقد أخرجه الطبري بأنه كان يواصل ليلة ست عشرة وليلة سبع عشرة. وهذا ليس فيه مبالغة كسابقه.
(٦) تقدم في الحاشية قبل السابقتين.
(٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق داود بن أبي هند عن أبي العالية.
(٨) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عنه.
(٩) أخرجه الطبري بأسانيد عن الضحاك يقوي بعضها بعضًا ويشهد له ما يليه.
(١٠) قول مجاهد وقتادة أخرجهما الطبري بأسانيد صحاح.