قال ابن أبي حاتم: روي عن ابن مسعود ومحمد بن كعب ومجاهد وعطاء والحسن وقتادة والضحاك والسدي والربيع بن أنس ومقاتل، قالوا: لا يقربها وهو معتكف (١).
وهو الذي حكاه عن هؤلاء هو الأمر المتفق عليه عند العلماء أن المعتكف يحرم عليه النساء ما دام معتكفًا في مسجده، ولو ذهب إلى منزله لحاجة لا بدّ منها فلا يحلّ له أن يثبت فيه إلا بمقدار ما يفرغ من حاجته تلك من قضاء الغائط أو الأكل، وليس له أن يقبّل امرأته ولا أن يضمّها إليه، ولا يشتغل بشيء سوى اعتكافه، ولا يعود المريض لكن يسأل عنه وهو مارّ في طريقه، وللاعتكاف أحكام مفصلة في بابها، منها ما هو مجمع عليه بين العلماء ومنها ما هو مختلف فيه، وقد ذكرنا قطعة صالحة من ذلك في آخر كتاب الصيام، ولله الحمد والمنة.
ولهذا كان الفقهاء المصنفون يتبعون كتاب الصيام بكتاب الاعتكاف اقتداء بالقرآن العظيم، فإنه نبّه على ذكر الاعتكاف بعد ذكر الصوم. وفي ذكره تعالى الاعتكاف بعد الصيام إرشاد وتنبيه على الاعتكاف في الصيام أو في آخر شهر الصيام، كما ثبتت في السنّة عن رسول الله ﷺ أنه كان يعتكف العشر الأواخر من شهر رمضان حتى توفاه الله ﷿، ثم اعتكف أزواجه من بعده، أخرجاه من حديث عائشة أم المؤمنين ﵂(٢). وفي الصحيحين أن صفية بنت حيي كانت تزور النبي ﷺ وهو معتكف في المسجد، فتحدثت عنده ساعة ثم قامت لترجع إلى منزلها، وكان ذلك ليلًا، فقام النبي ﷺ ليمشي معها حتى تبلغ دارها، وكان منزلها في دار أُسامة بن زيد في جانب المدينة، فلما كان ببعض الطريق لقيه رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا، وفي رواية: تواريا؛ أي حياء من النبي ﷺ لكون أهله معه، فقال لهما ﷺ:"على رسلكما إنها صفية بنت حُيي" أي: لا تسرعا واعلما أنها صفية بنت حيي أي: زوجتي، فقالا: سبحان الله يا رسول الله، فقال ﷺ:"إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئًا - أو قال: شرًا - "(٣).
قال الشافعي ﵀: أراد ﵇ أن يعلّم أمته التبري من التهمة في محلها، لئلا يقعا في محذور، وهما كانا أتقى لله من أن يظنا بالنبي ﷺ شيئًا، والله أعلم.
ثم المراد بالمباشرة إنما هو الجماع ودواعيه من تقبيل ومعانقة ونحو ذلك، فأما معاطاة الشيء ونحوه فلا بأس به، فقد ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يدني إليّ رأسه فأرجله وأنا حائض، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان، قالت عائشة: ولقد كان المريض يكون في البيت، فما أسأل عنه، إلا وأنا مارّة (٤).
(١) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول مجاهد وقتادة والسدي والربيع أخرجه الطبري بأسانيد ثابتة. (٢) صحيح البخاري، الاعتكاف، باب اعتكاف النساء (ح ٢٠٣٣)، وصحيح مسلم، الصيام، باب اعتكاف العشر الأواخر من رمضان ما بعد (ح ١١٧١) بأربعة أحاديث. (٣) صحيح البخاري، الاعتكاف، باب هل يخرج المعتكف لحوائجه؟ (ح ٢٠٣٥)، وصحيح مسلم، كتاب السلام (ح ٢١٧٥). (٤) صحيح البخاري، الاعتكاف، باب لا يدخل البيت إلا لحاجة (ح ٢٠٢٩) وصحيح مسلم، كتاب الحيض، باب جواز غسل الحائض رأس زوجها (ح ٢٩٧) وما بعده.