للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وقال أحمد أيضًا: حدثنا عفان، حدثنا عبيد الله بن إياد (١)، سمعت إياد بن لقيط، سمعت ليلى امرأة بشير بن الخصاصية قالت: أردت أن أصوم يومين مواصلة، فمنعني بشير وقال: إن رسول الله نهى عنه وقال: "يفعل ذلك النصارى، ولكن صوموا كما أمركم الله وأتموا الصيام إلى الليل، فإذا كان الليل فأفطروا" (٢). [وروى الحافظ ابن عساكر: حدثنا بكر بن سهل، حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا يحيى بن حمزة، عن ثور بن يزيد، عن علي بن أبي طلحة، عن عبد الملك بن أبي ذرٍّ، عن أبيه أن رسول الله واصل يومين وليلة، فأتاه جبريل فقال: إن الله قد قبل وصالك، ولا يحل لأحد بعدك، وذلك بأن الله قال: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ فلا صيام بعد الليل، وأمرني بالوتر قبل الفجر. وهذا إسناد لا بأس به أورده في ترجمة عبد الملك بن أبي ذرٍّ في تأريخه] (٣).

ولهذا ورد في الأحاديث الصحيحة النهي عن الوصال وهو أن يصلَ يومًا بيوم ولا يأكل بينهما شيئًا، قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله : "لا تواصلوا" قالوا: يا رسول الله إنك تواصل، قال: "فإني لست مثلكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني" قال: فلم ينتهوا عن الوصال فواصل بهم النبي يومين وليلتين ثم رأوا الهلال، فقال: "لو تأخّر الهلال لزدتكم" كالمنكل لهم (٤). وأخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري به (٥)، وكذلك أخرجا النهي عن الوصال من حديث أنس وابن عمر (٦).

وعن عائشة ، قالت: نهى رسول الله عن الوصال رحمة لهم، فقالوا: إنك تواصل، قال: "إني لست كهيئتكم إني يطعمني ربي ويسقيني" (٧).

فقد ثبت النهي عنه من غير وجه وثبت أنه من خصائص النبي وأنه كان يقوى على ذلك ويعان، والأظهر أن ذلك الطعام والشراب في حقه إنما كان معنويًا لا حسيًا، وإلا فلا يكون مواصلًا مع الحسي، ولكن كما قال الشاعر:

لها أحاديث من ذكراك تشغلها … عن الشراب وتلهيها عن الزاد

وأما من أحبّ أن يمسك بعد غروب الشمس إلى وقت السحر فله ذلك، كما في حديث أبي سعيد الخدري ، قال: قال رسول الله : "لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر" قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله ، قال: "إني لست كهيئتكم، إني أبيت لي مطعم يطعمني وساق يسقيني" أخرجاه في الصحيحين أيضًا.


(١) في الأصل: "عبيد الله بن زياد" والتصويب من (عف) و (حم) والتخريج.
(٢) أخرجه أحمد بسنده ومتنه بنحوه (المسند ٥/ ٢٢٥) ورجاله ثقات إلا عبيد الله بن إياد صدوق فالإسناد حسن ويشهد لبعضه ما سيأتي.
(٣) ما بين معقوفين زيادة من نسخة (ح).
(٤) أخرجه أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٧٧٧٣) وهو في الصحيحين كما سيأتي.
(٥) صحيح البخاري، الصوم، باب التنكيل لمن أكثر الوصال (ح ١٩٦٥)، وصحيح مسلم، باب النهي عن الوصال (ح ١١٠٣).
(٦) صحيح البخاري (ح ١٩٦١، ١٩٦٢)، وصحيح مسلم (ح ١٠٥٧ و ١١٠٢) كما في الأبواب السابقة.
(٧) أخرجه البخاري (ح ١٩٦٢)، وصحيح مسلم (ح ١١٠٥) كما في الأبواب السابقة.