وحاصله: أن الرجل والمرأة كل منهما يخالط الآخر ويماسه ويضاجعه، فناسب أن يرخص لهم في المجامعة في ليل رمضان لئلا يشق ذلك عليهم ويحرجوا.
قال الشاعر (١):
إذا ما الضجيع ثنى جيدها … تداعت فكانت عليه لباسا (٢)
وكان السبب في نزول هذه الآية كما تقدم في حديث معاذ الطويل (٣).
وقال أبو إسحاق، عن البراء بن عازب، قال: كان أصحاب النبي ﷺ إذا كان الرجل صائمًا فنام قبل أن يفطر لم يأكل إلى مثلها، وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائمًا (وكان يومه ذلك)(٤) يعمل في أرضه، فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال: هل عندك طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلق فأطلب لك، فغلبته عينه فنام، وجاءت امرأته، فلما رأته نائمًا قالت: خيبة لك أنمت؟ فلما انتصف النهار غشي عليه فذكر ذلك للنبي ﷺ، فنزلت هذه الآية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ ففرحوا بها فرحًا شديدًا (٥).
ولفظ البخاري ههنا من طريق أبي إسحاق: سمعت البراء قال: لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم، فأنزل الله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ (٦).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال: كان المسلمون في شهر رمضان إذا صلوا العشاء، حرم عليهم النساء والطعام إلى مثلها من القابلة، ثم إن أناسًا من المسلمين أصابوا من النساء والطعام في شهر رمضان بعد العشاء، منهم عمر بن الخطاب فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ (٧). وكذا روى العوفي عن ابن عباس (٨).
وقال موسى بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس، قال: إن الناس كانوا قبل أن ينزل في الصوم ما نزل فيهم، يأكلون ويشربون ويحل لهم شأن النساء، فإذا نام أحدهم لم يطعم ولم يشرب ولا يأتي أهله حتى يفطر من القابلة، فبلغنا أن عمر بن الخطاب بعدما نام ووجب عليه الصوم وقع على أهله، ثم جاء إلى النبي ﷺ فقال: أشكو إلى الله وإليك الذي صنعت. قال:
(١) الشاعر هو: نابغة بن جعدة، صرح بذلك الطبري (التفسير ٣/ ٤٩٠). (٢) ذكره أبو عبيدة في مجاز القرآن ص ٦٧، وابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن ص ١٠٧. (٣) تقدم في الآية ١٨٣ من هذه السورة. (٤) في الأصل: "وذلك يومه ذاك" والتصويب من (عف). (٥) أخرجه الطبري بإسناد ثابت من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق به، وهو في صحيح البخاري مختصرًا كما سيأتي في الرواية التالية. (٦) صحيح البخاري، تفسير سورة البقرة، باب ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] (ح ٤٥٠٨). (٧) أخرجه الطبري بسند ثابت عنه. (٨) أخرجه الطبري وإن أبي حاتم بسند ضعيف عنه ويتقوى بسابقه.