وقوله: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ هذا مدح للقرآن الذي أنزله الله هدى لقلوب العباد ممن آمن به وصدقه واتبعه ﴿وَبَيِّنَاتٍ﴾ أي: دلائل وحجج بينة واضحة جلية لمن فهمها وتدبرها دالة على صحة ما جاء به من الهدى المنافي للضلال، والرشد المخالف للعمي، ومفرقًا بين الحق والباطل والحلال والحرام.
وقد روي عن بعض السلف: أنه كره أن يقال: إلا شهر رمضان، ولا يقال: رمضان. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن بكار بن الريان، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي وسعيد - هو المقبري - عن أبي هريرة قال: لا تقولوا: رمضان، فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى ولكن قولوا: شهر رمضان (١).
قال ابن أبي حاتم: وقد روي عن مجاهد ومحمد بن كعب نحو ذلك، ورخص فيه ابن عباس وزيد بن ثابت (٢).
(قلت): أبو معشر هو نجيح بن عبد الرحمن المدني إمام المغازي والسير، ولكن فيه ضعف، وقد رواه ابنه محمد عنه فجعله مرفوعًا عن أبي هريرة، وقد أنكره عليه الحافظ ابن [عدي](٣) وهو جدير بالإنكار، فإنه متروك، وقد وهم في رفع هذا الحديث، وقد انتصر البخاري ﵀ في كتابه لهذا فقال: باب يقال: رمضان. وساق أحاديث [في ذلك](٤) منها: "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه"(٥)، ونحو ذلك.
وقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ هذا إيجاب حتم على من شهد استهلال الشهر، أي: كان مقيمًا في البلد حتى دخل شهر رمضان، وهو صحيح في بدنه أن يصوم لا محالة، ونسخت هذه الآية الإباحة المتقدمة لمن كان صحيحًا مقيمًا أن يفطر ويفدي بإطعام مسكين عن كل يوم كما تقدم بيانه.
ولما حتّم الصيام أعاد ذكر الرخصة للمريض وللمسافر أن يفطر بشرط القضاء، فقال: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ معناه: ومن كان به مرض في بدنه يشق عليه الصيام معه أو يؤذيه، أو كان على سفر؛ أي في حالة السفر، فله أن يفطر، فإذا أفطر فعليه عدة ما أفطره في السفر من الأيام، ولهذا قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ أي: إنما رخص لكم في الفطر في حال المرض والسفر مع تحتمه في حق المقيم الصحيح تيسيرًا عليكم ورحمة بكم.
وههنا مسائل تتعلق بهذه الآية:
(إحداها): أنه قد ذهب طائفة من السلف إلى أن من كان مقيمًا في أول الشهر ثم سافر في
(١) أخرجه ابن أبي حاتم سندًا ومتنًا وفي سنده أبو معشر وهو نجيح بن عبد الرحمن ضعيف مختلط (التقريب ٢/ ٢٩٨). (٢) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم من غير إسناد ورواية مجاهد أخرجها الطبري بسند صحيح من طريق سفيان عن مجاهد. (٣) في الأصل بياض ومثبت من (عف) و (ح). (٤) الزيادة من (عف) و (ح). (٥) صحيح البخاري، الإيمان، باب صوم رمضان احتسابًا (ح ٣٨).