قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا عمران أبو العوام، عن قتادة، عن أبي المليح، عن واثلة - يعني: ابن الأسقع -: أن رسول الله ﷺ قال: "أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، [وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان](١) وأنزل الله القرآن: لأربع وعشرين خلت من رمضان"(٢).
وقد روي من حديث جابر بن عبد الله وفيه: أن الزبور نزل لاثنتي عشرة خلت من رمضان، والإنجيل لثماني عشرة، والباقي كما تقدم، رواه ابن مردويه (٣).
وأما الصحف والتوراة والزبور والإنجيل، فنزل كل منها على النبي الذي أنزل عليه جملة واحدة، وأما القرآن فإنما نزل جملة واحدة إلى بيت العزة من السماء الدنيا، وكان ذلك في شهر رمضان في ليلة القدر منه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ [القدر] وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣] ثم نزل بعد مفرقًا بحسب الوقائع على رسول الله ﷺ، هكذا روي من غير وجه عن ابن عباس، كما قال إسرائيل عن السدي، عن محمد بن أبي المجالد، عن مقسم، عن ابن عباس: أنه سأل عطية بن الأسود فقال: وقع في قلبي الشك، قول الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ وقد أنزل في شوال، وفي ذي القعدة، وفي ذي الحجة، وفي المحرم، وصفر، وشهر ربيع، فقال ابن عباس: إنه أنزل في رمضان في ليلة القدر وفي ليلة مباركة جملة واحدة، ثم أنزل على مواقع النجوم ترتيلًا في الشهور والأيام، رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه وهذا لفظه (٤).
وفي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أنزل القرآن في النصف من شهر رمضان إلى سماء الدنيا، فجعل في بيت العزة، ثم أنزل على رسول الله ﷺ في عشرين سنة لجواب كلام الناس (٥). وفي رواية عكرمة عن ابن عباس، قال: نزل القرآن في شهر رمضان في ليلة القدر، إلى هذه السماء الدنيا جملة واحدة، وكان الله يحدث لنبيه ما شاء ولا يجيء المشركون بمثل يخاصمون به إلا جاءهم الله بجوابه، وذلك قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)﴾ [الفرقان](٦).
(١) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و (ح) و (حم) ورواية المسند. (٢) المسند ٤/ ١٠٧، وحسنه السيوطي (فيض القدير شرح الجامع الصغير ٣/ ٥٧)، والألباني في السلسلة الصحيحة (ح ١٥٧٥). (٣) أخرجه أبو يعلى الموصل عن سفيان بن وكيع، عن أبيه، عن عبيد الله، عن أبي مليح، عن جابر به (المسند ٤/ ١٣٥ ح ٢١٩٠)، وفي سنده سفيان بن وكيع فيه مقال، وعبيد الله هو ابن أبي حميد متروك فالإسناد ضعيف جدًّا. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبيد الله بن موسى عن إسرائيل به، وسنده حسن. (٥) أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا عن سعيد بن جبير به. (٦) سورة الفرقان آية ٣٢، ٣٣، والأثر أخرجه الطبري من طريق داود، عن عكرمة به مختصرًا، وداود إن كان بن الحصين فالسند ضعيف، وإن كان ابن أبي هند فالسند حسن.