للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وكذا روي عن مجاهد وسعيد بن جبير وأبي مالك والحسن وقتادة والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان (١).

[مسألة: ذهب مالك وأبو حنيفة والأوزاعي والليث وحماد بن أبي سليمان إلى أنه إذا قتل الرجل أو المرأة، وله أولاد كبار وصغار أن للكبار أن يقتلوا القاتل ولا يُنتظر بلوغ الصغار، لأن الحسن بن علي قتل عبد الرحمن بن ملجم ولم ينتظر بلوغ أولاد علي الصغار، وقال الشافعي وأحمد في المشهور عنه، وطائفة من العلماء: بل ينتظر بلوغ الصغار لأن لهم حقًّا وربما عفى بعضهم، وقد قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ … ﴾ الآية.

مسألة: إذا عفي ولي الدم عن القصاص والدية أطلق القاتل في مذهب الشافعي وأحمد والجمهور. وقال مالك والليث والأوزاعي: بل يضرب مائة ويحبس سنة. وقال أبو ثور: إن كان مشهورًا بالشر أدبه الإمام بحبسه، وقد استحسن قول أبي ثور القرطبي في تفسيره] (٢).

﴿يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ يقول: يا أولي العقول والأفهام والنهى، لعلكم تنزجرون (٣) وتتركون محارم الله ومآثمه، والتقوى اسم جامع لفعل الطاعات وترك المنكرات.

﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١) فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)﴾.

اشتملت هذه الآية الكريمة على الأمر بالوصية للوالدين والأقربين، وقد كان ذلك واجبًا على أصح القولين قبل نزول آية المواريث، فلما نزلت آية الفرائض (٤) نسخت هذه، وصارت المواريث المقدرة فريضة من الله يأخذها أهلوها حتمًا من غير وصية ولا تحمل منة الموصي، ولهذا جاء في الحديث الذي في السنن وغيرها عن عمرو بن خارجة قال: سمعت رسول الله يخطب وهو يقول: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث" (٥).

وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن علية، عن يونس بن عبيد، عن محمد بن سيرين، قال: جلس ابن عباس فقرأ سورة البقرة حتى أتى هذه الآية: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ فقال: نسخت هذه الآية (٦). وكذا رواه سعيد بن منصور، عن هشيم، عن


(١) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم، وقول مجاهد، أخرجه الطبري بسند صحيح.
(٢) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و (حم).
(٣) في الأصل: "تبرحون" والتصويب من (عف) و (ح) و (حم).
(٤) كذا في الأصل و (حم) وفي (عف) و (ح): "الميراث" وكلاهما صحيح.
(٥) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٢٩/ ٦٢٣ ح ١٨٠٨٣)، وقال محققوه: صحيح لغيره، وأخرجه الترمذي (السنن، الوصايا، باب ما جاء لا وصية لوارث ح ٢٢١٩)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ١٧٢٢).
(٦) لم أجده في المسند، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٧٣)، ويشهد له ما سيأتي من الروايات.