للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ وذكر في [سبب] (١) نزولها ما رواه الإمام [أبو] (٢) محمد بن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثني عبد الله بن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير في قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾، يعني: إذا كان عمدًا الحر بالحر، وذلك أن حيين من العرب اقتتلوا في الجاهلية قبل الإسلام بقليل، فكان بينهم قتل وجراحات [حتى] (٣) قتلوا العبيد والنساء، فلم يأخذ بعضهم من بعض حتى أسلموا، فكان أحد الحيين يتطاول على الآخر في العدة والأموال، فحلفوا أن لا يرضوا حتى يقتل بالعبد منّا الحر منهم، والمرأة منّا الرجل منهم، فنزل فيهم: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ منها منسوخة نسختها ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (٤) [المائدة: ٤٥].

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ وذلك أنهم كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة، ولكن يقتلون الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة، فأنزل الله: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥]، فجعل الأحرار في القصاص والعبيد سواء فيما بينهم من العمد رجالهم ونساؤهم في النفس وفيما دون النفس، وجعل العبيد مستويين فيما بينهم من العمد في النفس وفيما دون النفس رجالهم ونساؤهم (٥).

وكذلك روي عن أبي مالك أنها منسوخة بقوله: النفس بالنفس (٦).

[مسألة: مذهب أبي حنيفة إلى أن الحر يقتل بالعبد لعموم آية المائدة، وإليه ذهب الثوري وابن أبي ليلى وداود، وهو مروي عن علي وابن مسعود وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وقتادة والحكم، قال البخاري وعلي بن المديني وإبراهيم النخعي والثوري في رواية عنه: ويقتل السيد بعبده، لعموم حديث الحسن عن سمرة: "ومن قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه، ومن خصاه خصيناه". وخالفهم الجمهور وقالوا: لا يقتل الحر بالعبد، لأن العبد سلعة لو قتل خطأ لم يجب فيه دية، وإنما تجب فيه قيمته ولأنه لا يقاد بطرفه ففي النفس الأولى، وقد حكى أبو ثور الإجماع على أنه لا يقاد الحر بطرف العبد، وقد خرق هذا الإجماع أبو داود الظاهري لقوله : "المسلمون تتكافأ دماؤهم". وذهب الجمهور إلى أن المسلم لا يقتل بالكافر، كما ثبت في البخاري عن علي، قال: قال رسول الله : "ولا يقتل مسلم بكافر". ولا يصح حديث ولا تأويل يخالف هذا، وأما أبو حنيفة فذهب إلى أنه يقتل به لعموم آية المائدة.

مسألة: قال الحسن وعطاء: لا يقتل الرجل بالمرأة لهذه الآية، وخالفهم الجمهور لآية المائدة ولقوله : "المسلمون تتكافأ دماؤهم". وقال الليث: إذا قتل الرجل امرأته لا يُقتل بها خاصة.

مسألة: ومذهب الأئمة الأربعة والجمهور أن الجماعة يقتلون (٧) بالواحد، قال عمر في غلام قتله سبعة فقتلهم، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم ولا يعرف له في زمانه مخالف من


(١) لفظ: "سبب" سقط من الأصل.
(٢) لفظ: "أبو "سقط من الأصل.
(٣) في الأصل: قد والتصويب من (ح) و (عف) و (حم) ورواية ابن أبي حاتم.
(٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم وسنده مرسل.
(٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم وسنده ثابت.
(٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق السدي عنه.
(٧) سقط من (ح).