ولهذا تقدم في الحديث عن فاطمة بنت قيس: إن في المال حقًّا سوى الزكاة، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾، كقوله: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠)﴾ [الرعد]، وعكس هذه الصفة النفاق كما صح في الحديث:"آية المنافق [ثلاث](١): إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان"(٢). وفي الحديث الآخر:"وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر"(٣).
وقوله: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ أي: في حال الفقر وهو البأساء، وفي حال المرض والأسقام: وهو الضراء.
﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ أي: في حال القتال والتقاء الأعداء، قاله ابن مسعود وابن عباس وأبو العالية ومرة الهمداني ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان وأبو مالك والضحاك (٤) وغيرهم، وإنما نصب ﴿وَالصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣] على المدح والحث على الصبر في هذه الأحوال لشدته وصعوبته، والله أعلم، وهو المستعان وعليه التكلان.
وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ أي: هؤلاء الذين اتصفوا بهذه الأوصاف (٥) هم الذين صدقوا في إيمانهم، لأنهم حققوا الإيمان القلبي بالأقوال والأفعال، فهؤلاء هم الذين صدقوا ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ لأنهم اتقوا المحارم وفعلوا الطاعات.
يقول تعالى: كتب عليكم العدل في القصاص أيها المؤمنون، فاقتلوا حركم بحركم، وعبدكم بعبدكم، وأنثاكم بأنثاكم، ولا تتجاوزوا وتعتدوا كما اعتدى من قبلكم وغيروا حكم الله فيهم، وسبب ذلك قريظة والنضير، كانت بنو النضير قد غزت قريظة في الجاهلية وقهروهم، فكان إذا قتل النضري (٦) القرظي لا يقتل به، بل يفادى بمائة وسق من التمر، وإذا قتل القرظي النضري (٧) قتل، وإن فادوه فدوه بمائتي وسق من التمر ضعف دية قريظة، فأمر الله بالعدل في القصاص، ولا يتبع سبيل [المفسدين المجرمين المخالفين](٨) لأحكام الله فيهم كفرًا وبغيًا (٩)، فقال تعالى:
(١) لفظ ثلاث سقط من الأصل. (٢) متفق عليه. أخرجه البخاري في صحيحه، الإيمان، باب علامة المنافق (ح ٣٣)، وأخرجه مسلم في صحيحه، الإيمان (ح ١٠٧). (٣) أخرجه مسلم في الصحيح، الإيمان (ح ١٠٦). (٤) ذكرهم جميعًا ابن أبي حاتم وقول ابن مسعود، أخرجه بسند حسن. (٥) كذا في الأصل: وفي نسخة (ح) و (عف) بلفظ: "الصفات". (٦) كذا في الأصل: و (عف)، وفي نسخة (ح) و (حم): النضيري. (٧) انظر: التعليق السابق. (٨) في الأصل: "المحرفين المخالفين" والزيادة والتصويب من (ح) و (عف) و (حم). (٩) كذا في الأصل و (عف) و (حم)، وفي نسخة (ح): "لهوًا ولعبًا".