للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ولا تفهمه، بل إنما تسمع صوته فقط. هكذا روي عن ابن عباس وأبي العالية ومجاهد وعكرمة وعطاء والحسن وقتادة وعطاء الخراساني والربيع بن أنس نحو هذا (١). [وقيل: إنما هذا مثل ضرب لهم في دعائهم الأصنام التي لا تسمع ولا تبصر ولا تعقل شيئًا واختاره ابن جرير (٢)، والأول أولى، لأن الأصنام لا تسمع شيئًا ولا تعقله ولا تبصره ولا بطش لها ولا حياة فيها] (٣). وقوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ أي: صم عن سماع الحق، بُكْمٌ لا يتفوّهون به، عميٌ عن رؤية طريقه ومسلكه ﴿فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أي: لا يعقلون شيئًا ولا يفهمونه، [كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩)[الأنعام: ٣٩] (٤).

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾.

يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بالأكل من طيبات ما رزقهم تعالى، وأن يشكروه تعالى على ذلك إن كانوا عبيده، والأكل من الحلال سبب لتقبّل الدعاء والعبادة، كما أن الأكل من الحرام يمنع قبول الدعاء والعبادة. كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا [الفضيل] (٥) بن مرزوق، عن عدي بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : "أيها الناس إن الله طيب لا يقبل، إلا طيبًا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)[المؤمنون: ٥١] وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام فأنّى يستجاب لذلك؟ " (٦). ورواه مسلم في صحيحه (٧) والترمذي من ذلك حديث فضيل بن مرزوق (٨).

ولما امتنَّ الله تعالى عليهم برزقه وأرشدهم إلى الأكل من طيبه، ذكر أنه لم يحرم عليهم من ذلك إلا الميتة، وهي التي تموت حتف أنفها من غير تذكية، وسواء كانت منخنقة أو موقوذة أو متردية أو نطيحة أو قد عدا عليها السبع، [وقد خصص الجمهور من ذلك ميتة البحر لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦] على ما سيأتي إن شاء الله، وحديث العنبر في


(١) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عطية العوفي عنه، وهو ضعيف الإسناد، ويشهد له أقوال التابعين، وقد ذكرها ابن أبي حاتم كلها.
(٢) تفسير الطبري ٣/ ٣١٣، ط. أحمد شاكر.
(٣) الزيادة من نسخة (ح) و (حم).
(٤) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و (حم).
(٥) في الأصل: "الفضل"، وانظر: التقريب ص ٤٤٨.
(٦) المسند (ح ٨٣٣٠) سورة المؤمنون آية ٥١.
(٧) صحيح مسلم، الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب (ح ١٠١٥).
(٨) أخرجه الترمذي في السنن، التفسير سورة البقرة (ح ٢٩٨٩).