الصحيح وفي المسند والموطأ والسنن قوله ﵇ في البحر:"هو الطهور ماؤه الحل ميتته"(١). وروى الشافعي وأحمد وابن ماجه والدارقطني حديث ابن عمر مرفوعًا:"أحل لنا ميتتان ودمان السمك والجراد والكبد والطحال"(٢). وسيأتي تقرير ذلك - إن شاء الله - في سورة المائدة.
مسألة (٣): ولبن الميتة وبيضها المتصل بها نجس عند الشافعي وغيره؛ لأنه جزء منها. وقال مالك في رواية: هو طاهر إلا أنه ينجس بالمجاورة، وكذلك أنفحة الميتة فيها الخلاف، والمشهور عندهم أنها نجسة، وقد أوردوا على أنفسهم أكل الصحابة من جبن المجوس، فقال القرطبي في التفسير ههنا يخالط اللبن منها يسير، ويعف عن قليل النجاسة إذا خالط الكثير من المائع (٤).
وقد روى ابن ماجه من حديث سيف بن هارون عن سليمان التميمي، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان ﵁: سئل رسول الله ﷺ عن السمن والجبن والفراء، قال:"الحلال ما أحلَّ الله في كتابه، والحرام ما حرَّم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه"] (٥).
وكذلك حرم عليهم لحم الخنزير سواء ذكي أم مات حتف أنفه، ويدخل شحمه في حكم لحمه إما تغليبًا أو أن اللحم يشمل ذلك أو بطريق القياس على رأي، [وكذلك](٦) حرم عليهم ما أهلّ به لغير الله، وهو ما ذبح على غير اسمه تعالى من الأنصاب والأنداد والأزلام ونحو ذلك مما كانت الجاهلية ينحرون له. [وذكر القرطبي عن ابن عطية أنه نقل عن الحسن البصري: أنه سئل عن امرأة عملت عرسًا للعبها فنحرت فيه جزورًا، فقال: لا تؤكل لأنها ذبحت لصنم (٧)، وأورد القرطبي عن عائشة ﵂: أنها سئلت عما يذبحه العجم لأعيادهم فيهدون منه للمسلمين فقالت: ما ذبح لذلك اليوم فلا تأكلوا منه، وكلوا من أشجارهم] (٨).
ثم أباح تعالى تناول ذلك عند الضرورة والاحتياج إليها عند فقد غيرها من الأطعمة، فقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ أي: في غير بغي ولا عدوان، وهو مجاوزة الحد ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ أي: في أكل ذلك ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقال مجاهد: فمن اضطر غير باغ ولا عاد، قاطعًا للسبيل أو مفارقًا للأئمة، أو خارجًا في
(١) أخرجه الإمام مالك، الموطأ، كتاب الطهارة، باب الطهور (ح ١١)، وأخرجه الترمذي، السنن، الطهارة، باب ما جاء في ماء البحر (ح ٦٩) وصححه وأخرجه الحاكم، وصححه ووافقه الذهبي، (المستدرك ١/ ١٤٠) وقال البغوي: متفق على صحته (شرح السنة ٢/ ١٥٥). (٢) أخرجه الشافعي في ترتيب مسنده ٢/ ١٧٣، وأحمد في المسند ٢/ ٩٧، والموقوف على ابن عمر أصح وله حكم الرفع، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ١١١٨). (٣) الزيادة من (حم). (٤) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٢٢٠). (٥) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و (حم)، سنن ابن ماجه، الأطعمة، باب الجبن والسمن (ح ٣٣٦٧) وفي سنده سيف بن هارون: ضعيف (التقريب ص ٢٦٢). (٦) سقط من الأصل وأثبت من (ح) و (عف) و (حم). (٧) ينظر: الجامع لأحكام القرآن ٢/ ٢٢٤، فقد ذكره بمعناه. (٨) ما بين معقوفين من (ح) والنص في الجامع لأحكام القرآن ٢/ ٢٢٤.