للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

والقول الأول: أرجح لأنه طاف بينهما وقال: "لتأخذوا عني مناسككم"، فكل ما فعله في حجته تلك واجب لا بد من فعله في الحج إلّا ما خرج بدليل، والله أعلم.

[وقد تقدم قوله : "اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي"] (١)، فقد بيّن الله تعالى أن الطواف بين الصفا والمروة من شعائر الله؛ أي: مما شرع الله تعالى لإبراهيم الخليل في مناسك الحج، وقد تقدم في حديث ابن عباس: أن أصل ذلك مأخوذ من تطواف هاجر، وتردادها بين الصفا والمروة في طلب الماء لولدها لما نفذ ماؤهما وزادهما حين تركهما إبراهيم هنالك، وليس عندهما أحد من الناس، فلما خافت الضيعة على ولدها هنالك ونفذ ما عندهما قامت تطلب الغوث من الله ، فلم تزل تتردد في هذه البقعة المشرفة بين الصفا والمروة، متذلّلة، خائفة، وجِلة، مضطرة، فقيرة إلى الله حتى كشف الله كربتها، وآنس غربتها، وفرّج شدتها، وأنبع لها زمزم التي ماؤها طعام طعم، وشفاء سقم، فالساعي بينهما ينبغي له أن يستحضر فقره وذلّه وحاجته إلى الله، في هداية قلبه، وصلاح حاله، وغفران ذنبه. وأن يلتجئ إلى الله ليزيح ما هو به من النقائص والعيوب، وأن يهديه إلى الصراط المستقيم، وأن يثبته عليه إلى مماته، وأن يحوله من حاله الذي هو عليه من الذنوب والمعاصي، إلى حال الكمال والغفران والسداد والاستقامة كما فعل بهاجر .

[وقوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ قيل: زاد في طوافه بينهما على قدر الواجب، ثامنة وتاسعة ونحو ذلك، وقيل: يطوف بينهما في حجة تطوع أو عمرة تطوع، وقيل: المراد تطوع خيرًا في سائر العبادات، حكى ذلك الرازي، وعزى الثالث إلى الحسن البصري، والله أعلم.

وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ أي: يُثيب على القليل بالكثير، عليم بقدر الجزاء فلا يبخس أحدًا ثوابه، و ﴿لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]] (٢).

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)﴾.

هذا وعيد شديد لمن كتم ما جاءت به الرسل من الدلالات البيّنة على المقاصد الصحيحة، والهدى النافع للقلوب من بعد ما بيّنه الله تعالى لعباده من كتبه التي أنزلها على رسله. قال أبو العالية: نزلت في أهل الكتاب، كتموا صفة محمد ، ثم أخبر أنهم يلعنهم كل شيء على صنيعهم ذلك، فكما أن العالم يستغفر له كل شيء حتى الحوت في الماء، والطير في الهواء، فهؤلاء بخلاف العلماء، فيلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون.

وقد ورد في الحديث المسند من طرق يشدُّ بعضها بعضًا عن أبي هريرة وغيره، أن


(١) سقط من الأصل وأثبت من (عش) و (ح).
(٢) ما بين معقوفين زيادة من نسخة (عش) و (ح).