للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (١) [وذكر القرطبي في تفسيره عن ابن عباس قال: كانت الشياطين تتفرق (٢) بين الصفا والمروة الليل كله، وكانت بينهما آلهة، فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله عن الطواف بينهما، فنزلت هذه الآية.

وقال الشعبي: كان أساف على الصفا، وكانت نائلة على المروة، وكانوا يستلمونهما، فتحرجوا بعد الإسلام من الطواف بينهما فنزلت هذه الآية] (٣).

قلت: ذكر محمد بن إسحاق في كتاب السيرة: أن أسافًا ونائلة كانا بشرين، فزنيا داخل الكعبة، فمسخا حجرين فنصبتهما قريش تجاه الكعبة ليعتبر بهما الناس، فلما طال عهدهما عبدا ثم حولا إلى الصفا والمروة فنصبا هنالك فكان من طاف بالصفا والمروة يستلمهما، ولهذا يقول أبو طالب في قصيدته المشهورة:

وحيث ينيخ الأشعرون ركابهم … لمفضي السيول من إساف ونائل

وفي صحيح مسلم من حديث جابر الطويل وفيه: أن رسول الله لما فرغ من طوافه بالبيت عاد إلى الركن، فاستلمه ثم خرج من باب الصفا وهو يقول: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ثم قال: "أبدأ بما بدأ الله به" (٤). وفي رواية النسائي: "ابدؤوا بما بدأ الله به".

وقال الإمام أحمد: حدثنا سريج، حدثنا عبد الله بن المؤمل، عن عطاء بن أبي رباح، عن صفية بنت شيبة، عن حبيبة بنت أبي تجْرَاة قالت: رأيت رسول الله يطوف بين الصفا والمروة والناس بين يديه وهو وراءهم وهو يسعى حتى أرى ركبتيه من شدة السعي يدور به إزاره وهو يقول: اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي (٥).

ثم رواه الإمام أحمد عن عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن واصل مولى أبي عيينة، عن موسى بن عبيدة، عن صفية بنت شيبة أن امرأة أخبرتها أنها سمعت النبي بين الصفا والمروة يقول: "كتب عليكم السعي فاسعوا" (٦).

وقد استدلّ بهذا الحديث على مذهب من يرى أن السعي بين الصفا والمروة ركن في الحج كما هو مذهب الشافعي ومن وافقه [ورواية عن أحمد وهو المشهور عن مالك] (٧) وقيل: إنه واجب وليس بركن [فإن تركه عمدًا أو سهوًا جبره بدم، وهو رواية عن أحمد، وبه يقول طائفة] (٨)، وقيل: بل مستحب [وإليه ذهب أبو حنيفة والثوري والشعبي وابن سيرين ورُوي عن أنس وابن عمر وابن عباس، وحكى عن مالك في العتيبة.

قال القرطبي: واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾] (٩).


(١) أخرجه البخاري عن محمد بن يوسف به (الصحيح، التفسير، ح ٤٤٩٦).
(٢) كذا في (عش) و (ح) وفي تفسير القرطبي: تعزف ٢/ ١٧٩.
(٣) ما بين المعقوفين زيادة من (عش) و (ح) وتفسير القرطبي ٢/ ١٧٩.
(٤) أخرجه مسلم (الصحيح، الحج، باب حجة النبي ح ١٢١٨).
(٥) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٤٥/ ٣٦٣ ح ٢٧٣٦٧ وفي سنده عبد الله بن المؤمل: ضعيف.
(٦) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٤٥/ ٤٥٥ ح ٢٧٤٦٣ وفي سنده موسى بن عبيدة الربذي: ضعيف.
(٧) (٨) (٩) ما بين معقوفين سقط من الأصل وأثبت من (عش) و (ح).