للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

وقد قدمنا في سورة النور عن محمد بن عبد الله بن جحش قال: تفاخرت زينب وعائشة ، فقالت زينب : أنا الذي نزل تزويجي من السماء، وقالت عائشة : أنا التي نزل عذري من السماء، فاعترفت لها زينب (١).

وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن المغيرة، عن الشعبي قال: كانت زينب تقول للنبي إني لأدلي عليك بثلاث، وما من نسائك امرأة تدلي بهن: إن جدي وجدك واحد، وإني أنكحنيك الله ﷿ من السماء، وإن السفير جبريل (٢).

وقوله تعالى: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ أي: إنما أبحنا لك تزويجها، وفعلنا ذلك لئلا يبقى حرج على المؤمنين في تزويج مطلقات الأدعياء، وذلك أن رسول الله كان قبل النبوة قد تبنَّى زيد بن حارثة ، فكان يقول له زيد بن محمد، فلما قطع الله تعالى هذه النسبة بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٤، ٥] ثم زاد ذلك بيانًا وتأكيدًا بوقوع تزويج رسول الله بزينب بنت جحش ، لما طلَّقها زيد بن حارثة ، ولهذا قال تعالى في آية التحريم ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، ليحترز من الابن الدعيّ، فإن ذلك كان كثيرًا فيهم.

وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ أي: وكان هذا الأمر الذي وقع قد قدره الله تعالى وحتمه وهو كائن لا محالة، كانت زينب في علم الله ستصير من أزواج النبي .

﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨)﴾.

يقول تعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ أي: فيما أحلَّ له وأمره به من تزويج زينب التي طلقها دعيه زيد بن حارثة .

وقوله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: هذا حكم الله تعالى في الأنبياء قبله لم يكن ليأمرهم بشيء وعليهم في ذلك حرج، وهذا ردٌّ على من توهم من المنافقين نقصًا في تزويجه امرأة زيد مولاه ودعيه الذي كان قد تبناه.

﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ أي: وكان أمره الذي يقدره كائنًا لا محالة وواقعًا لا محيد عنه ولا معدل، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.

﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩) مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾.

يمدح ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ﴾ أي: إلى خلقه ويؤدونها بأماناتها ﴿وَيَخْشَوْنَهُ﴾


(١) تقدم في تفسير سورة النور آية ١١.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإرسال الشعبي.