للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

أي: يخافونه ولا يخافون أحدًا سواه، فلا تمنعهم سطوة أحد عن إبلاغ رسالات الله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ أي: وكفى بالله ناصرًا ومعينًا، وسيد الناس في هذا المقام بل وفي كل مقام محمد رسول الله فإنه قام بأداء الرسالة وإبلاغها إلى أهل المشارق والمغارب إلى جميع أنواع بني آدم، وأظهر الله تعالى كلمته ودينه وشرعه على جميع الأديان والشرائع، فإنه قد كان النبي قبله إنما يبعث إلى قومه خاصة، وأما هو فإنه بعث إلى جميع الخلق عربهم وعجمهم ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] ثم ورث مقام البلاغ عنه أمته من بعده، فكان أعلى من قام بها بعده أصحابه ، بلّغوا عنه كما أمرهم به في جميع أقواله وأفعاله وأحواله، في ليله ونهاره، وحضره وسفره، وسره وعلانيته، فرضي الله عنهم وأرضاهم ثم ورثه كل خلف عن سلفهم إلى زماننا هذا، فبنورهم يقتدي المهتدون، وعلى منهجهم يسلك الموفقون، فنسأل الله الكريم المنان أن يجعلنا من خلَفهم.

قال الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير، أخبرنا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله : "لا يحقرنَّ أحدكم نفسه أن يرى أمر الله فيه مقال ثم لا يقوله، فيقول الله ما يمنعك أن تقول فيه؟ فيقول ربِّ خشيت الناس، فيقول: فأنا أحق أن يخشى" (١). ورواه أيضًا عن عبد الرزاق، عن الثوري، عن زبيد، عن عمرو بن مرة. ورواه ابن ماجه، عن أبي كريب عن عبد الله بن نمير وأبي معاوية كلاهما عن الأعمش به (٢).

وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ نهى أن يقال بعد هذا زيد بن محمد؛ أي: لم يكن أباه وإن كان قد تبناه، فإنه لم يعش له ولد ذكر حتى بلغ الحلم فإنه ولد له القاسم والطيب والطاهر من خديجة فماتوا صغارًا وولد له إبراهيم من مارية القبطية، فمات أيضًا رضيعًا، وكان له من خديجة أربع بنات: زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة أجمعين، فمات في حياته ثلاث، وتأخرت فاطمة حتى أُصيبت به ، ثم ماتت بعده لستة أشهر.

وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ كقوله ﷿: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، فهذه الآية نصٌّ في أنه لا نبي بعده، وإذا كان لا نبي بعده فلا رسول بعده بالطريق الأولى والأحرى، لأن مقام الرسالة أخصُّ من مقام النبوة، فإِن كل رسول نبي ولا ينعكس، وبذلك وردت الأحاديث المتواترة عن رسول الله من حديث جماعة من الصحابة .

قال الإمام أحمد: حدثنا أبو عامر الأزدي، حدثنا زهير بن محمد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الطفيل بن أُبي بن كعب، عن أبيه ، عن النبي قال: "مثلي في النبيين كمثل رجل بنى دارًا فأحسنها وأكملها، وترك فيها موضع لبنة لم يضعها، فجعل الناس يطوفون بالبنيان


(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٧/ ٣٥٧ ح ١١٢٥٥) وضعف سنده محققوه لأن أبا البختري لم يسمع من أبي سعيد .
(٢) المسند ٣/ ٧٣، وسنن ابن ماجه، الفتن، باب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (ح ٤٠٠٨)، وسنده ضعيف للعلة السابقة. في الرواية السابقة.