تعالى، فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به" فحثَّ على كتاب الله ﷿ ورغب فيه، ثم قال: "وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي" ثلاثًا، فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده، قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل العباس ﵃، قال: كل هؤلاء حرم الصدقة بعده؟ قال: نعم (١).
ثم رواه عن محمد بن بكار بن الريان، عن حسان بن إبراهيم، عن سعيد بن مسروق، عن يزيد بن حيان، عن زيد بن أرقم ﵁، فذكر الحديث بنحو ما تقدم، وفيه فقلت له: من أهل بيته نساؤه؟ قال: لا، وايم الله إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر، ثم يطلقها فترجع إلى أبيها، أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده (٢).
هكذا وقع في هذه الرواية، والأولى أولى والأخذ بها أحرى. وهذه الثانية تحتمل أنه أراد تفسير الأهل المذكورين في الحديث الذي رواه، إنما المراد بهم آله الذين حرموا الصدقة، أو أنه ليس المراد بالأهل الأزواج فقط، بل هم مع آله، وهذا الاحتمال أرجح جمعًا بينهما وبين الرواية التي قبلها، وجمعًا أيضًا بين القرآن والأحاديث المتقدمة إن صحت، فإن في بعض أسانيدها نظرًا، والله أعلم، ثم الذي لا شك فيه من تدبر القرآن أن نساء النبي ﷺ داخلات في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ فإن سياق الكلام معهن، ولهذا قال تعالى بعد هذا كله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ أي: واعملن بما ينزل الله ﵎ على رسوله ﷺ في بيوتكن من الكتاب والسُّنَّة، قاله قتادة وغير (٣) واحد، واذكرن هذه النعمة التي خصصتن بها من بين الناس، أن الوحي ينزل في بيوتكن دون سائر الناس، وعائشة الصديقة بنت الصديق ﵄ أولاهنَّ بهذه النعمة، وأحظاهنَّ بهذه الغنيمة، وأخصهنَّ من هذه الرحمة العميمة، فإنه لم ينزل على رسول الله ﷺ الوحي في فراش امرأة سواها، كما نصَّ على ذلك صلوات الله وسلامه عليه.
قال بعض العلماء ﵀: لأنه لم يتزوج بكرًا سواها، ولم ينم معها رجل في فراشها سواه ﷺ و- ﵂، فناسب أن تخصص بهذه المزية، وأن تفرد بهذه المرتبة العليا، ولكن إذا كان أزواجه من أهل بيته، فقرابته أحق بهذه التسمية، كما تقدم في الحديث: "وأهل بيتي أحق". وهذا ما يشبه ما ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ لما سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فقال: "هو مسجدي هذا" (٤) فهذا من هذا القبيل، فإِن الآية إنما نزلت في مسجد قباء كما ورد في الأحاديث الأخر، ولكن إذا كان ذاك أسس على التقوى من أول يوم، فمسجد رسول الله ﷺ أولى بتسميته بذلك، والله أعلم.
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الوليد، حدثنا أبو عوانة، عن حصين بن
(١) أخرجه مسلم بسنده ومتنه (الصحيح، فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب ﵁ ح ٢٤٠٨/ ٣٦). (٢) المصدر السابق (ح ٢٤٠٨/ ٣٧). (٣) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة. (٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة التوبة آية ١٠٨.