المؤمن جعل الإيمان والقرآن في صدره (١). وهكذا قال سعيد بن جبير وقيس بن سعد، عن ابن عباس أنه قرأها كذلك:"مثل نور من آمن بالله"(٢)، وقرأ بعضهم "الله نور السماوات والأرض"، وعن الضحاك "الله نوَّرَ السماوات والأرض"(٣).
وقال السدي في قوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: فبنوره أضاءت السماوات والأرض (٤).
وفي الحديث الذي رواه محمد بن إسحاق في السيرة عن رسول الله ﷺ أنه قال في دعائه يوم آذاه أهل الطائف:"أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحل بي غضبك أو ينزل بي سخطك، لك العتبي حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بالله"(٥).
وفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل يقول: "اللَّهم لك الحمد، أنت قَيّم السماوات والأرض، ولك الحمد ومن فيهنَّ، أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن. . ." الحديث (٦).
وعن ابن مسعود قال: إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار نور العرش من نور وجهه.
وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ في هذا الضمير قولان:
(أحدهما): أنه عائد إلى الله ﷿؛ أي مثل هداه في قلب المؤمن. قاله ابن عباس (٧) ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾.
(والثاني): أن الضمير عائد إلى المؤمن الذي دل عليه سياق الكلام تقديره: مثل نور المؤمن الذي في قلبه كمشكاة، فشبه قلب المؤمن وما هو مفطور عليه من الهدى وما يتلقاه من القرآن المطابق لما هو مفطور عليه، كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ [هود: ١٧] فشبه قلب المؤمن في صفائه في نفسه بالقنديل من الزجاج الشفاف الجوهري وما يستهديه من القرآن والشرع بالزيت الجيد الصافي المشرق المعتدل الذي لا كدر فيه ولا انحراف، فقوله: ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾ قال ابن عباس ومجاهد ومحمد بن كعب وغير واحد: هو موضع الفتيلة من القنديل (٨) هذا هو المشهور، ولهذا قال بعده: ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ وهو الذبالة التي تضيء.
وقال العوفي، عن ابن عباس: قوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ وذلك أن اليهود قالوا لمحمد ﷺ: كيف يخلص نور الله من دون السماء؟ فضرب الله مثل ذلك
(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم مقطعًا بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي به. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس. (٣) قراءة شاذة تفسيرية. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أسباط عن السدي. (٥) رواه ابن إسحاق بلاغًا (ينظر: السيرة النبوية لابن هشام ١/ ٤٢٠)، وسنده ضعيف. (٦) صحيح البخاري، الجمعة، باب التهجد بالليل (ح ١١٢٠)، وصحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب الدعاء في صلاة الليل (ح ٧٦٩). (٧) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس. (٨) قول ابن عباس أخرجه الطبري وابن أبي حاتم كسابقه، وقول مجاهد أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول محمد بن كعب أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عاصم بن محمد العمري عنه.