وعن الليث، عن محمد بن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "ثلاثة حق على الله عونهم: الناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء، والغازي في سبيل الله" رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه (١).
وقد زوَّج النبي ﷺ ذلك الرجل الذي لم يجد عليه إلا إزاره، ولم يقدر على خاتم من حديد، ومع هذا فزوجه بتلك المرأة وجعل صداقها عليه أن يعلمها ما معه من القرآن (٢). والمعهود من كرم الله تعالى ولطفه أن يرزقه ما فيه كفاية لها وله، وأما ما يورده كثير من الناس على أنه حديث:"تزوجوا فقراء يغنكم الله"(٣)، فلا أصل له ولم أره بإسناد قوي ولا ضعيف إلى الآن، وفي القرآن غنية عنه، وكذا هذه الأحاديث التي أوردناها، ولله الحمد والمنّة.
وقوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ هذا أمر من الله تعالى لمن لا يجد تزويجًا بالتعفف عن الحرام، كما قال ﷺ:"يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" الحديث (٤)، وهذه الآية مطلقة، والتي في سورة النساء أخص منها، وهي قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ إلى أن قال: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] أي: صبركم عن تزوج الإماء خير لكم؛ لأن الولد يجيء رقيقًا ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
قال عكرمة في قوله: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ قال: هو الرجل يرى المرأة فكأنه يشتهي، فإن كانت له امرأة فليذهب إليها وليقض حاجته منها، وإن لم يكن له امرأة فلينظر في ملكوت السماوات والأرض حتى يغنيه الله (٥).
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ هذا أمر
= عجبت لرجل لا يطلب الغنى بالباءة (ينظر: المقاصد الحسنة ص ٨٣)، وسنده منقطع لأن قتادة لم يسمع من عمر ﵁، وأخرجه عبد الرزاق بهذا السند والمتن، وكذلك أخرجه من طريق هشام بن حسان عن الحسن عن عمر، ومن طريق هشام بن عروة عن عمر (المصنف ٦/ ١٧٠ - ١٧٣)، وهذه الطرق يقوي بعضها بعضًا، وأخرجه البستي من طريق محمد بن عجلان عن عمر بلفظ: "ابتغوا الغنى في النكاح"، ومحمد بن عجلان لم يسمع من عمر، ولكن يتقوى بما سبق من الطرق. (١) المسند ١٣/ ٤٩، وصحح سنده أحمد شاكر، وسنن الترمذي، وحسنه، كتاب، فضائل الجهاد، باب ما جاء في المجاهد والناكح والمكاتب … (ح ١٦٥٥)، وسنن النسائي، الجهاد، باب فضل الروحة في سبيل الله ٦/ ١٥، وسنن ابن ماجه، العتق، باب المكاتب (ح ٢٥١٨)، وأخرجه ابن حبان (الإحسان ٩/ ٣٣٩ ح ٤٠٣٠)، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ١٦٠)، وحسنه البغوي (شرح السنة ٩/ ٧)، وصححه السيوطي (الجامع الصغير مع شرح فيض القدير ٣/ ٣١٧)، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ١٣٥٢). (٢) صحيح البخاري، فضائل القرآن، باب القراءة عن ظهر القلب (ح ٥٠٣٠). (٣) أخرجه البزار والدارقطني في العلل، والحاكم وابن مردويه والديلمي كلهم من رواية سلم بن جنادة عن أبي أسامة عن هشام عن أبيه عن عائشة مرفوعًا: "تزوجوا النساء، فإنهن يأتين بالمال"، قال الحاكم: تفرد به سُلم وهو ثقة، وقال البزار والدارقطني: سلم يرويه مرسلًا (ينظر: المقاصد الحسنة للسخاوي ص ٨٢). (٤) تقدم تخريجه في تفسير الآية نفسها. (٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف فيه حفص بن عمر العدني، وهو ضعيف.