من الله تعالى للسادة إذا طلب عبيدهم منهم الكتابة أن يكاتبوهم بشرط أن يكون للعبد حيلة وكسب يؤدي إلى سيده المال الذي شارطه على أدائه، وقد ذهب كثير من العلماء إلى أن هذا الأمر أمر إرشاد واستحباب، لا أمر تحتم وإيجاب؛ بل السيد مخيّر إذا طلب منه عبده الكتابة، إن شاء كاتبه وإن شاء لم يكاتبه، قال الثوري عن جابر، عن الشعبي: إن شاء كاتبه وإن شاء لم يكاتبه (١).
وكذا قال ابن وهب، عن إسماعيل بن عياش، عن رجل، عن عطاء بن أبي رباح: إن يشأ يكاتبه وإن يشأ لم يكاتبه (٢).
وكذا قال مقاتل بن حيان (٣) والحسن البصري.
وذهب آخرون إلى أنه يجب على السيد إذا طلب، منه عبده ذلك أن يجيبه إلى ما طلب أخذًا بظاهر هذا الأمر.
وقال البخاري: وقال روح، عن ابن جريج: قلت لعطاء: أواجب علي إذا علمت له مالًا أن أكاتبه، قال: ما أراه إلا واجبًا.
وقال عمرو بن دينار: قلت لعطاء: أتأثره عن أحد؟ قال: لا، ثم أخبرني أن موسى بن أنس أخبره أن سيرين سأل أنسًا المكاتبة، وكان كثير المال فأبى، فانطلق إلى عمر ﵁، فقال: كاتبه، فأبى فضربه بالدرة، ويتلو عمر ﵁ ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ فكاتبه. هكذا ذكره البخاري تعليقًا (٤)، ورواه عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج قال: قلت لعطاء: أواجب عليّ إذا علمت له مالًا أن أكاتبه؟ قال: ما أراه إلا واجبًا وقال عمرو بن دينار، قال: قلت لعطاء: أتأثره من أحد؟ قال: لا (٥).
وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن بكر، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك: أن سيرين أراد أن يكاتبه، فتلكأ عليه فقال له عمر: لتكاتبنه (٦). إسناد صحيح.
وقال سعيد بن منصور: حدثنا هشيم بن جويبر، عن الضحاك قال: هي عزمة (٧)، وهذا القول القديم من قولي الشافعي، وذهب في الجديد إلى أنه لا يجب لقوله ﵇:"لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه"(٨).
(١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الثوري به، وفي سنده جابر، وهو الجعفي: ضعيف. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن وهب به، وسنده ضعيف لإبهام الراوي عن عطاء بن أبي رباح، وسيأتي بسند صحيح عن عطاء. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان. (٤) صحيح البخاري، العتق، باب في المكاتب ونجومه في كل سنة نجم، قبل حديث رقم ٢٥٦٠، ووصله إسماعيل بن إسحاق القاضي في "أحكام القرآن" عن علي بن المديني عن روح به (ينظر: فتح الباري ٥/ ١٨٦)، وسنده صحيح. (٥) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه (المصنف ٨/ ٣٧١)، وسنده صحيح، وأخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به. (٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصحح سنده الحافظ ابن كثير، وهو كما قال. (٧) سنده ضعيف لضعف جويبر. (٨) أخرجه الإمام أحمد من حديث عمِّ أبي حرَّة الرقاشي مطولًا (المسند ٣٤/ ٢٩٩ - ٣٠١ ح ٢٠٦٩٥)، وقال محققوه: صحيح لغيره مقطعًا.