اشتملت هذه الآيات الكريمات المبينة على جمل من الأحكام المحكمة والأوامر المبرمة، فقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ. . .﴾ إلى آخره، هذا أمر بالتزويج.
وقد ذهب طائفة من العلماء إلى وجوبه على كل من قدر عليه. واحتجوا بظاهر قوله ﵇:"يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء"، أخرجاه في الصحيحين من حديث ابن مسعود (١).
وقد جاء في السنن من غير وجه أن رسول الله ﷺ قال:"تزوجوا الولود تناسلوا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة"(٢). وفي رواية:"حتى بالسقط"، الأيامى جمع أيم، ويقال ذلك للمرأة التي لا زوج لها، وللرجل الذي لا زوجة له، سواء كان قد تزوج ثم فارق أو لم يتزوج واحد منهما، حكاه الجوهري عن أهل اللغة (٣)، يقال: رجل أيم، وامرأة أيم.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ. . .﴾ الآية، قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: رغبهم الله في التزويج، وأمر به الأحرار والعبيد ووعدهم عليه الغنى، فقال: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٤).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمود بن خالد الأزرق، حدثنا عمر بن عبد الواحد، عن سعيد - يعني: ابن عبد العزيز - قال: بلغني أن أبا بكر الصديق ﵁ قال: أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى قال تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٥).
وعن ابن مسعود: التمسوا الغنى في النكاح، يقول الله تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ رواه ابن جرير (٦)، وذكر البغوي عن عمر بنحوه (٧).
(١) صحيح البخاري، النكاح، باب من لم يستطع الباءة فليصم (ح ٥٠٦٦)، وصحيح مسلم، النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنه (ح ١٤٠٠). (٢) أخرجه أبو داود (السنن، النكاح، باب النهي عن تزويج من لم يلد من النساء ح ٢٠٥٠)، والنسائي (السنن، النكاح، باب كراهية تزوج العقيم ٦/ ٦٥)، وأحمد (المسند ٣/ ١٥٨)، وحسنه الهيثمي (مجمع الزوائد ٤/ ٢٥٨)، وابن حبان (الإحسان ٩/ ٣٣٨ ح ٤٠٢٨)، وصححه محققه والضياء المقدسي (المختارة ٥/ ٢٦٠ ح ١٨٨٨)، وحسنه محققه، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ١٦٢)، وصححه العراقي (تخريج إحياء علوم الدين ٢/ ٩٧٠)، وصححه الألباني بشواهده (الإرواء ٦/ ١٩٥ ح ١٧٨٤). (٣) الصحاح ٥/ ١٨٦٨. (٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به. (٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، ورجاله ثقات لكن سنده منقطع؛ لأن سعيد بن عبد العزيز رواه بلاغًا عن أبي بكر ﵁. (٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق القاسم بن الوليد عن ابن مسعود، وهو لم يسمع منه. (٧) أخرجه البغوي معلقًا بغير سند (التفسير ٣/ ٣٤٢)، وأخرجه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة أن عمر قال: =