وفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "كُتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العينين النظر، وزنا اللسان النطق، وزنا الأذنين الاستماع، وزنا اليدين البطش، وزنا الرجلين الخطى، والنفس تمنَى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه" رواه البخاري تعليقًا، ومسلم مسندًا من وجه آخر بنحو ما تقدم (١).
وقد قال كثير من السلف: إنهم كانوا ينهون أن يحد الرجل بصره إلى الأمرد، وقد شدّد كثير من أئمة الصوفية في ذلك، وحرمه طائفة من أهل العلم لما فيه من الافتتان، وشدد آخرون في ذلك كثيرًا جدًا.
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا أبو سعيد المدني، حدثنا عمر بن سهل المازني، حدثني عمر بن محمد بن [صهبان](٢)، عن صفوان بن سليم، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "كل عين باكية يوم القيامة إلا عينًا غضت عن محارم الله، وعينًا سهرت في سبيل الله، وعينًا يخرج منها مثل رأس الذباب من خشية الله ﷿"(٣).
هذا أمر من الله تعالى للنساء المؤمنات وغيرة منه لأزواجهن عباده المؤمنين وتمييز لهن عن صفة نساء الجاهلية وفعال المشركين، وكان سبب نزول هذه الآية ما ذكره مقاتل بن حيان قال: بلغنا - والله أعلم - أن جابر بن عبد الله الأنصاري حدث أن أسماء بنت مرشدة كانت في محل لها في بني حارثة، فجعل النساء يدخلن عليها غير متأزرات فيبدوا ما في أرجلهن من الخلاخل، وتبدو صدورهن وذوائبهن (٤) فقالت أسماء: ما أقبح هذا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ. . .﴾ الآية (٥)، فقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ أي: عما حرم الله عليهن من النظر إلى غير أزواجهن، ولهذا ذهب كثير من العلماء إلى أنه لا يجوز للمرأة أن تنظر إلى الرجال الأجانب بشهوة ولا بغير شهوة أصلًا.
واحتج كثير منهم بما رواه أبو داود والترمذي من حديث الزهري عن نبهان مولى أم سلمة: أنه
(١) صحيح البخاري، الاستئذان، باب زنا الجوارح دون الفرج (ح ٦٣٤٣)، وأخرجه مسلم موصولًا بنحوه (الصحيح، القدر، باب ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٩٥)﴾ [الأنبياء] ح ٢٦٥٧). (٢) كذا في (ح) و (حم)، وفي الأصل صُحف إلى: ههيان. (٣) أخرجه أبو نعيم من طريق عمر بن محمد بن صهبان به (الحلية ٣/ ١٦٣)، وسنده ضعيف لضعف عمر بن محمد بن صهبان (التقريب ص ٤١٤). (٤) أي: شعورهن. (٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإبهام شيخ مقاتل بن حيان.