وإنما غزاها امتثالًا لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣] ولقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة]، وغزاها ليقتص وينتقم ممن قتل أهل مؤتة من أصحابه، والله أعلم.
ولو صحَّ هذا لحمل عليه الحديث الذي رواه الوليد بن مسلم عن عفير بن معدان، عن سليم بن عامر، عن أَبي أُمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أنزل القرآن في ثلاثة أمكنة: مكة، والمدينة، والشام" قال الوليد: يعني: بيت المقدس (١). وتفسير الشام بتبوك أحسن، مما قال الوليد إنه بيت المقدس، والله أعلم.
وقيل نزلت في كفار قريش، هَمُّوا بإخراج رسول الله ﷺ من بين أظهرهم، فتوعدهم الله بهذه الآية، وأنهم لو أخرجوه لما لبثوا بعده بمكة إلا يسيرًا، وكذلك وقع فإنه لم يكن بعد هجرته من بين أظهرهم بعد ما اشتد أذاهم له إلا سنة ونصف، حتى جمعهم الله وإياه ببدر على غير ميعاد، فأمكنه منهم وسلَّطه عليهم وأظفره بهم، فقتل أشرافهم وسبى ذراريهم، ولهذا قال تعالى: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ أي: هكذا عادتنا في الذين كفروا برسلنا وآذوهم بخروج الرسول من بين أظهرهم يأتيهم العذاب، ولولا أنه ﷺ رسول الرحمة لجاءهم من النقم في الدنيا ما لا قبل لأحد به، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ [الأنفال].
يقول ﵎ لرسوله ﷺ آمرًا له بإقامة الصلوات المكتوبات في أوقاتها ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ قيل لغروبها، قاله ابن مسعود ومجاهد وابن زيد (٢).
وقال هشيم، عن مغيرة، عن الشعبي، عن ابن عباس: دلوكها زوالها (٣)، ورواه نافع عن ابن عمر (٤)، ورواه مالك في تفسيره عن الزهري، عن ابن عمر (٥)، وقاله أبو برزة الأسلمي (٦) وهو رواية أيضًا عن ابن مسعود ومجاهد، وبه قال الحسن والضحاك وأبو جعفر الباقر وقتادة (٧)، واختاره ابن جرير.
(١) أخرجه الطبراني من طريق الوليد بن مسلم به (المعجم الكبير ٨/ ٢٠١)، وفي سنده عفير بن معدان وهو ضعيف (التقريب ص ٣٩٣). (٢) قول ابن مسعود أخرجه الطبري بعدة أسانيد يقوي بعضها بعضًا، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق منصور عنه، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه. (٣) أخرجه الطبري من طريق هشيم به، وأخرجه أيضًا من طريق الزهري عن ابن عباس وسنده صحيح. (٤) أخرجه الإمام مالك (الموطأ برواية الشيباني، التفسير رقم ١٠٠٦) وسنده صحيح. (٥) سنده صحيح. (٦) أخرجه البخاري بسنده عن أبي برزة ﵁ (الصحيح، مواقيت الصلاة، باب وقت الظهر عند الزوال ح ٥٤١). (٧) أخرجه الطبري بأسانيد قوية إلا قول الضحاك فسنده ضعيف لأنه من طريق جويبر.